فهرس الكتاب
ثم هو مع هذا كله كان يقول في عمر رضي الله عنه لما مات مات أعرفنا بالله تعالى. وقال سعيد ابن المسيب رضي الله عنه: ما رأيت أعرف من عمر، وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم رأى أنه يشرب لبنا حتى كاد الري ّ يخرج من أظفاره وأعطى فضلة ذلك اللبن لعمر، وأوّل صلى الله عليه وسلم تلك الرؤيا بالعلم، وكان عمر رضي الله عنه مكاشفا لا يقدّر بذهنه شيئا إلا كان كذلك فاذا كان يرتسم في مرآة ذهنه الصافية مالا دليل عليه ولا أمارة، فكيف يكون ذهنه بمعرفة من الكائنات كلها مطبقة على واضح الدلالة عليه جل ّ وعز، وانظر قوله رضي الله عنه لما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بفتنة القبر وسؤال الملكين وصفتهما، فقال أيكون معي عقلي؟ فقال نعم فقال إذا أكفيكهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن عمر لموقن مصدق، فانظر إلى وثوقه رضي الله عنه بنظر عقله وعدم اكتراثه بمناظرة من علمه مترق من علم اليقين إلى عين اليقين، وهم الملائكة ولم يخف أن يشغل فكره هول منظرهما ولا فظاعة القبر الذي هو أوّل منزل من منازل الآخرة، وهل تصدر هذه المقالة إلا ممن مزجت معرفة الله تعالى بلحمه ودمه حتى تلاشى عنده كل ما سواه ولم يخف غيره، وانظر قول النبي صلى الله عليه وسلم إن ّ عمر
أي ومتعلق ذلك (قوله ثم هو) أي علي ّ (قوله مع هذا) أي ما ذكر من الآثار الدالة على كمال معرفته (قوله مات أعرفنا) وإذا كلن كل عارفا وعمر أعرف، فلا يصح ّ القول بأنهم مقلدون (قوله ما رأيت) أي علمت (قوله الري ّ) أي اللبن الذي حصل به الارتواء (قوله بالعلم) أي فيدل على أن عمر عارف لا مقلد، لأن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق (قوله مكاشفا) بفتح الشين: أي مكشوفا له الأمور المغيبة وبكسرها: أي مطلقا على المغيبات (قوله لا يقدّر) أي يلاحظ (قوله في مرآة ذهنه) من إضافة المشبه به (قوله مالا دليل عليه ولا أمارة) أراد بالدليل ما يدل على سبيل القطع، وبالأمارة ما يدل على سبيل الظن ّ، نحو هذا يطوف في الليل بالسلاح، وكل ّ من هو كذلك فهو سارق (قوله فكيف يكون ذهنه الخ) أي فكيف يكون ذهنه بمعرفة الله الذي أطبقت الكائنات على الدلالة عليه دلالة واضحة: أي فتكون تلك المعرفة مرتسمة في ذهنه بالطريق الأولى، وحينئذ فلا يكون مقلدا (قوله وانظر قوله) أي قوله الآتي: أي إذا أكفيكهما (قوله وسؤال الملكين) عطف تفسير (قوله وصفتهما) أي من كون أعينهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف (قوله إذا أكفيكهما) أي إذا كان معي عقلي فلا أفتقر لمن يعينني عليهما ولا أبالي بهما (قوله لموقن) أي لعارف بالله، ومن وصفه صلى الله عليه وسلم بالمعرفة لا يكون مقلدا (قوله فانظر الخ) شرح لقوله: وانظر قوله الخ (قوله اكتراثه) أي مبالاته (قوله مترق ّ الخ) المراد أن الحاصل لهم ابتداء عين اليقين الذي هو أرقى وأعلى من علم اليقين (قوله علم اليقين) هو العلم الحاصل بالأدلة والمكاشفات بخلاف عين اليقين فإنه العلم الحاصل بالمشاهدة أو الحواس. وأمل حق اليقين فهو العلم بالله
الحاصل عند فناء صفات العبد في صفات الرب ّ بأن يذهل عن ذاته وصفاته، ويلاحظ أن سمعه هو سمع الرب ّ، وبصره بصره وهكذا كما وقع للحلاج حيث قال: ما في الحبة إلا الله (قوله فظاعة) أي بشاعة وقبح (قوله مزجت الخ) كناية عن تمكنه من المعرفة بالله (قوله تلاشى) أي اضمحل