صفحة 21
أهل البدع والأهواء، والإضلال والإغواء.
وَمَنْ قال بأن الوصف القديم حَالٌّ في المصحف، لَزِمَهُ إذا احترقَ المصحفُ أن يقول: إن وصفَ االله القديمَ احترق، سبحانه وتعالى عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، وَمِنْ شأن القديم أن لا يَلْحَقَهُ تَغَيُّرٌ ولا عدم، فإن ذلك مُنَافٍ لِلقِدَمِ.
فَإِنْ زعموا أنّ القرآنَ مكتوبٌ في المصحف غيرُ حَالٍّ فيه، كما يقوله الأشعري، فَلِمَ يلعنون الأشعريَّ رحمه االله؟ وإن قالوا بخلاف ذلك، فانظر: {كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 50] ، {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ? أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ} [الزمر: 60] .
وأما قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} [الواقعة: 77 - 78] فلا خلافَ بين أئمة العربية أنه لا بُدَّ من كلمةٍ محذوفةٍ يتعلقُ بها قولُه: {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} ، ويجبُ القطعُ بأن ذلك المحذوفَ تقديرُه: (مكتوبٌ في كتاب مكنون) لِمَا ذكرناه، وما دَلَّ عليه العقلُ الشاهدُ بالوحدانية وبصحة الرسالة، وهو مَنَاطُ التكليف بإجماع المسلمين، وإنما لم يُستدلَّ بالعقل على القِدَمِ [37] وكفى به شاهدًا، لأنهم لا يَسمعون شهادتَه، [38] مع أن الشرعَ قد عَدَّلَ العقلَ وَقَبِلَ شهادتَه، واستَدلَّ به في مواضعَ من كتابه، كالاستدلال بالإنشاء على العادة، [39]