فهرس الكتاب

الصفحة 104 من 463

وقال الإمام السيوطي رحمه الله في كتابه النفيس (( جزيل المواهب في اختلاف المذاهب ) )ما نصه (1) :

"اعلم أنَّ اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرةٌ ، وفضيلة عظيمةٌ ، وله سرٌّ لطيف أدركه العالمون ، وعميَ عنه الجاهلون ، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي ( صلى الله عليه و على آله و سلم ) جاء بشرعٍ واحدٍ ، فمن أين مذاهبُ أربعة ٌ؟ ! ."

ومن العجب أيضًا منْ يأخذُ في تفضيل بعض المذاهب على بعض تفضيلًا يؤدي ، إلى تنقيص المفضَّل عليه وسقوطه ، وربما أدَّى إلى الخصام بين السفهاء ، وصارت عصبيةً وحميةَ الجاهليةِ ، والعلماء منزَّهون عن ذلك .

وقد وقع الاختلافُ في الفروع بين الصحابة ( رضي الله عنهم و أرضاهم ) ، وهم خير الأمة ، فما خاصم أحد منهم أحدًا ، ولا عادى أحدٌ أحدًا ، ولا نسب أحد أحدًا إلى خطأٍ ولا قصورٍ .

والسرُّ الذي أشرت إليه قد استنبطته من حديث ورد أن اختلاف هذه الأمة رحمة من الله لها ، وكان اختلاف الأمم السابقة عذابًا وهلاكًا . هذا أو معناه ، ولا يحضرني الآن لفظ الحديث .

فعرفَ بذلك أنَّ اختلاف المذاهب في هذه الأمة خصيصةٌ فاضلةٌ لهذه الأمة ، وتوسيعٌ في هذه الشريعة السمحة السهلة ، فكانت الأنبياءُ قبل النبي ( صلى الله عليه و سلم ) يبعث أحدهم بشرعٍ واحدٍ ، وحكمٍ واحدٍ ، حتى إنه من ضيق شريعتهِم لم يكن فيها تخييرٌ في كثير من الفروع التي شرع فيها التخيير في شريعتنا ؛ كتحريمِ القصاص في شريعةِ اليهود ، وتحتم الدية في شريعةِ النصارى .

ومن ضيقها أيضًا: لم يجتمع فيها الناسخُ والمنسوخُ كما وقع في شريعتنا ، ولذا أنكر اليهود النسخ ، واستعظموا نسخَ القبلة .

ومن ضيقها أيضًا: أنَّ كتابهم لم يكن يقرأ إلا على حرفٍ واحدٍ كما ورد بكل ذلك الأحاديث .

(1) - جزيل المواهب في اختلاف المذاهب - (ج 1 / ص 2و3) و آداب الاختلاف لدى الصحابة - (ج 1 / ص 25)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت