فهرس الكتاب
مَسْأَلَةٌ: فَلَوْ الْتَزَمَ مَذْهَبًا مُعَيَّنًا ، كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَاعْتَقَدَ رُجْحَانَهُ مِنْ حَيْثُ الْإِجْمَالُ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُخَالِفَ إمَامَهُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَيَأْخُذَ بِقَوْلِ غَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدٍ آخَرَ ؟
فِيهِ مَذَاهِبُ:
( أَحَدُهَا ) : الْمَنْعُ ، وَبِهِ جَزَمَ الْجِيلِيُّ فِي الْإِعْجَازِ ، لِأَنَّ قَوْلَ كُلِّ إمَامٍ مُسْتَقِلٌّ بِآحَادِ الْوَقَائِعِ ، فَلَا ضَرُورَةَ إلَى الِانْتِقَالِ إلَّا التَّشَهِّيَ ، وَلِمَا فِيهِ مِنْ اتِّبَاعِ التَّرَخُّصِ وَالتَّلَاعُبِ بِالدِّينِ .
وَ ( الثَّانِي ) : يَجُوزُ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فِي"الرَّافِعِيِّ"، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُوجِبُوا عَلَى الْعَوَامّ تَعْيِينَ الْمُجْتَهِدِينَ ، لِأَنَّ السَّبَبَ - وَهُوَ أَهْلِيَّةُ الْمُقَلِّدِ لِلتَّقْلِيدِ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَقْوَالِهِ ، وَعَدَمُ أَهْلِيَّةِ الْمُقَلِّدِ مُقْتَضٍ لِعُمُومِ هَذَا الْجَوَابِ .
وَوُجُوبُ الِاقْتِصَارِ عَلَى مُفْتٍ وَاحِدٍ بِخِلَافِ سِيرَةِ الْأَوَّلِينَ .
بَلْ يَقْوَى الْقَوْلُ بِالِانْتِقَالِ فِي صُورَتَيْنِ:
( إحْدَاهُمَا ) : إذَا كَانَ مَذْهَبُ غَيْرِ إمَامِهِ يَقْتَضِي تَشْدِيدًا كَالْحَلِفِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاثِ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ ثُمَّ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ، وَكَانَ مَذْهَبُ مُقَلَّدِهِ عَدَمَ الْحِنْثِ فَخَرَجَ مِنْهُ لِقَوْلِ مَنْ أَوْقَعَ الطَّلَاقَ ، فَإِنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْأَخْذُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْتِزَامِ الْحِنْثِ قَطْعًا .
وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّ الْقَصْرَ فِي سَفَرٍ جَاوَزَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَفْضَلُ مِنْ الْإِتْمَامِ (1) .
(1) - التقرير والتحبير - (ج 6 / ص 304)