والّذين قالوا بتجزّؤ الاجتهاد يجب عندهم على المجتهد المطلق أن يقلّد فيما لم يظهر له حكم الشّرع فيه ، فيكون مجتهدا في البعض مقلّدا في البعض الآخر ، ولكن قيل: إنّه ما دام عالما فلا يقلّد إلّا بشرط أن يتبيّن له وجه الصّحّة ، بأن يظهره له المجتهد الآخر.
وأيضًا قد يقلّد العالم في الثّبوت ، كمن قلّد البخاريّ في تصحيح الحديث ، ثمّ يجتهد في الدّلالة أو القياس أو دفع التّعارض بناء على ما ثبت عند غيره (1) .
«تعدّد المفتين واختلافهم على المقلّد»
إذا لم يكن في البلد إلّا مفت واحد وجب على المقلّد مراجعته والعمل بما أفتاه به ممّا لا يعلمه.
وإن تعدّد المفتون وكلّهم أهل ، فللمقلّد أن يسألَ من شاء منهم ، ولا يلزمه مراجعة الأعلم ، وذلك لما علم أنّ العوامّ في زمان الصّحابة كانوا يسألون الفاضل والمفضول ، ولم يحجر على أحد في سؤال غير أبي بكر وعمر.فلا يلزم إلا مراعاة العلم والعدالة.
لكن إذا تناقض قول عالمين ، فأفتاه أحدهما بغير ما أفتاه به الآخر ، فإنّه يلزمه الأخذ بقول من يرى في نفسه أنّه الأفضل منهما في علمه ودينه.
فواجبه التّرجيح بين المقلّدين بالعلم والدّين.
وفي الإنصاف (2) : يَحْرُمُ الْحُكْمُ وَالْفُتْيَا بِالْهَوَى إجْمَاعًا ، وَبِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي التَّرْجِيحِ إجْمَاعًا ..
وهذا لأنّ الغلط على الأعلم أبعد ومن الأقلّ علما أقرب.
وليس للمقلّد أن يجعل نفسه بالخيار يأخذ ما شاء ويترك ما شاء ، وخاصّة إذا تتبّع الرّخص ليأخذ بما يهواه بمجرّد التّشهّي.
وذلك كما أنّ المجتهد واجبه التّرجيح بين الأدلّة وليس له التّخيّر منها اتّفاقا.
(1) - المصدر نفسه 2/402
(2) - الإنصاف - (ج 16 / ص 498)