وأمّا مجهولُ الحال في العدالة فقد قيل: لا بدّ من السّؤال عنه من عدل أو عدلين لأنّه لا يأمن كذبه وتدليسه ، وقيل: لا يلزم السّؤال عن العدالة ، لأنّ الأصل في العلماء العدالة.
ولا يقلّد متساهلًا في الفتيا (1) ، ولا من يبتغي الحيل المحرّمة ، ولا من يذهب إلى الأقوال الشّاذّة الّتي ينكرها الجمهور من العلماء.
«من يجوزُ له التّقليدُ»
تقدّم أنّ الّذي يجوز له التّقليد هو العامّيّ ومن على شاكلته من غير القادرين على الاجتهاد.
وكذلك من له أهليّة الاجتهاد إذا استشعر الفوات لو اشتغل بالاجتهاد في الأحكام ، فله أن يقلّد مجتهدًا.
فأمّا المجتهدُ لو أراد التّقليد مع سعة الوقت وإمكان الاجتهاد فقد قال الإمام الشّافعيّ وغيره: ليس له أن يقلّد بل عليه أن يجتهد.
وقيل: يجوز له التّقليد.
ودليل القول بأنّ الاجتهاد يجب عليه أنّ اجتهاده في حقّ نفسه يضاهي النّصّ ، فلا يعدل عن الاجتهاد عند إمكانه ، كما لا يعدل عن النّصّ إلى القياس (2) .
أمّا إن اجتهد من هو أهل للاجتهاد ، فأدّاه اجتهاده إلى معرفة الحكم ، فليس له أن يتركه ويصير إلى العمل أو الإفتاء بقول غيره تقليدا لمن خالفه في ذلك ، قال صاحب مسلّم الثّبوت: « إجماعا » أي بإجماع أئمّة الحنفيّة ، لأنّ ما علمه هو حكم اللّه في حقّه فلا يتركه لقول أحد.
ولكن لو أنّ القاضي المجتهد حكم بالتّقليد نفذ حكمه عند أبي حنيفة على رواية ، ولم ينفذ على الرّواية الأخرى ، ولا على قول الصّاحبين والفتوى على قولهما ، وهي الرّواية الأخرى عن أبي حنيفة (3) .
(1) - ككثير من فقهاء هذا العصر الذين يبيحون الربا أو موالاة الكفار أو يشترون بآيات الله ثمنا قليلا
(2) - البرهان للجويني 2/1340 بتحقيق د -عبد العظيم الذيب وروضة الطالبين 11/10
(3) - مسلم الثبوت 2/392-393