فهرس الكتاب
أَوْ أَنَّ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ لَا عُمُومَ لَهُ (1)
(1) - [ اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ ] وَأَمَّا اسْمُ الْجَمْعِ إذَا دَخَلَتْهُ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لِلْجِنْسِ ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ النَّاسَ حَنِثَ بِالْوَاحِدِ ، كَمَا لَوْ قَالَ: لَا آكُلُ الْخُبْزَ حَنِثَ بِبَعْضِهِ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: لَا أُكَلِّمُ نَاسًا يُحْمَلُ عَلَى ثَلَاثَةٍ .
نَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ عَنْ ابْنِ الصَّبَّاغِ وَغَيْرِهِ .
لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ إلَّا بِجَمِيعِهِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْجَمْعِ فِي إفَادَةِ الِاسْتِغْرَاقِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْحُسَيْنِ فِي"الْمُعْتَمَدِ"جَرَيَانُ خِلَافِ أَبِي هَاشِمٍ فِيهِ ، فَإِنَّهُ جَعَلَ مِنْ صُوَرِ الْخِلَافِ لَفْظَ النَّاسِ ، وَجَعَلَ إلْكِيَا الْهِرَّاسِيُّ الْجَمْعَ مِمَّا يَعُمُّ بِصِيغَتِهِ وَمَعْنَاهُ ، وَهَذَا مِمَّا يَعُمُّ بِمَعْنَاهُ لَا بِصِيغَتِهِ
[ أَقَلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الطَّائِفَةِ ] وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ لَفْظَ الطَّائِفَةِ ، قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى قِطْعَةٍ مِنْ شَيْءٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، هَلْ هُوَ ثَلَاثَةٌ أَوْ أَقَلُّ ؟ فَمِنْ حَيْثُ كَانَ مَدْلُولُهَا الْقِطْعَةَ مِنْ النَّاسِ لَمْ تَكُنْ عَامَّةً ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ الْعُمُومِ شُمُولٌ لِغَيْرِ مُتَنَاهٍ وَلَا مَحْصُورٍ ، قُلْت: وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي"الْمُخْتَصَرِ"عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ ، فَقَالَ فِي بَابِ صَلَاةِ الْخَوْفِ: وَالطَّائِفَةُ ثَلَاثَةٌ فَأَكْثَرُ ، وَأَكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِأَقَلَّ مِنْ طَائِفَةٍ انْتَهَى هَذَا نَصُّهُ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ
وَذَكَرُوا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ دَاوُد أَنَّهُ قَالَ: قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: أَقَلُّ الطَّائِفَةِ ثَلَاثَةٌ خَطَأٌ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ تُطْلَقُ عَلَى وَاحِدٍ ، أَمَّا فِي اللُّغَةِ: فَحَكَى ثَعْلَبٌ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ قَالَ: مَسْمُوعٌ مِنْ الْعَرَبِ ، أَنَّ الطَّائِفَةَ الْوَاحِدُ ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَلِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) احْتَجَّ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } فَحَمَلَ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ ، وَقَالَ تَعَالَى: { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } وَالْمُرَادُ وَاحِدٌ .
وَأُجِيبُ بِأَجْوِبَةٍ أَشْهُرُهَا: تَسْلِيمُ أَنَّ الطَّائِفَةَ يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى الْوَاحِدِ فَمَا فَوْقَهُ ، وَحَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَابْنُ فَارِسٍ فِي"فِقْهِ الْعَرَبِيَّةِ"وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الطَّائِفَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا تَكُونَ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ: { وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ } وَقَالَ فِي الطَّائِفَةِ الْأُخْرَى .
{ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } فَذَكَرَهُمْ بِلَفْظِ الْجَمْعِ فِي كُلِّ الْمَوَاضِعِ ، وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ .
وَثَانِيهِمَا: أَنَّهَا لَا تُطْلَقُ إلَّا عَلَى ثَلَاثَةٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ ، وَبِهِ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، مِنْهُمْ الزَّمَخْشَرِيُّ ، فَقَالَ: وَأَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ ، وَإِنَّمَا حَمَلَ الشَّافِعِيُّ الطَّائِفَةَ عَلَى الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } بِالْقَرِينَةِ ، وَهِيَ حُصُولُ الْإِنْذَارِ بِالْوَاحِدِ كَمَا حَمَلَهُ فِي الْأُولَى عَلَى الثَّلَاثَةِ بِقَرِينَةٍ وَهِيَ ضَمِيرُ الْجَمْعِ .
وَقَالَ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي الْأُصُولِ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَقَلِّ الْجَمْعِ: جَاءَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ ، وَقَالَ: وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهَا تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ كَالْقِطْعَةِ ، فَيُقَالُ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ هَذَا ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنْهُ قَالَ: وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّ الطَّائِفَةَ إنَّمَا تُطْلَقُ عَلَى الْقِطْعَةِ مِنْ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، فَلَا يَكُونُ حِينَئِذٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمْعِ ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ طَائِفَةٌ مِنْ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ ، فَأَمَّا إذَا أُطْلِقَ اسْمُهَا عَلَى جِنْسٍ كَالنَّاسِ وَالْحَيَوَانِ وَالْفِيلِ ، فَالْمَقْصُودُ بِهَا الْجَمَاعَةُ ، كَمَا يُقَالُ:"كَانَ طَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ"أَيْ جَمَاعَةٌ ، وَالْجَمَاعَةُ أَقَلُّهَا ثَلَاثَةٌ .هَذَا كَلَامُهُ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي دَلَالَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ هَذَا النَّوْعِ كَالْقَوْمِ ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: يَعُمُّ الذُّكُورَ وَالْإِنَاثَ ، وَالصَّحِيحُ اخْتِصَاصُهُ بِالذُّكُورِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: { لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ } وَكَذَلِكَ الرَّهْطُ .
قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّهُ اسْمٌ لِمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ
قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: الرَّهْطُ جَمْعٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ ، وَكَذَلِكَ النَّفَرُ ، وَعَلَى هَذَا فَفِي عَدِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ نَظَرٌ .
اسْمُ الْجِنْسِ إذَا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَأَمَّا اسْمُ الْجِنْسِ بِأَقْسَامِهِ السَّابِقَةِ ، فَإِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ سَوَاءٌ الِاسْمُ كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، أَوْ الصِّفَةُ الْمُشْتَقَّةُ كَالضَّارِبِ ، وَالْمَضْرُوبِ ، وَالْقَائِمِ وَالسَّارِقِ ، وَالسَّارِقَةِ ، فَإِنْ كَانَ لِلْعَهْدِ فَخَاصٌّ ، سَوَاءٌ الذِّكْرِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَمَا أَرْسَلْنَا إلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا .
فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ أَوْ الذِّهْنِيُّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْت مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا } فَإِنَّ اللَّامَ فِي الرَّسُولِ لِلْعَهْدِ ، وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ فِي اللَّفْظِ .
وَإِنْ لَمْ يُرَدْ بِهِ مَعْهُودٌ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ: أَحَدِهَا: أَنَّهُ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ الْجِنْسِ ، وَنُقِلَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي"الرِّسَالَةِ"وَ"الْبُوَيْطِيِّ"وَنَقَلَهُ أَصْحَابُهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ } ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي"الْأُمِّ"مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } إنْكَارًا عَلَى قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ( لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ) فَدَلَّ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ الْمُعَرَّفِ يَعُمُّ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا تَطَابَقَ ، وَالْفُقَهَاءُ كَالْمُجْمِعِينَ عَلَيْهِ فِي اسْتِدْلَالِهِمْ بِنَحْوِ { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي } وَهُوَ الْحَقُّ ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ مَعْلُومٌ قَبْلَ دُخُولِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ ، فَإِذَا دَخَلَتَا وَلَا مَعْهُودَ ، فَلَوْ لَمْ يَجْعَلْهُ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَمْ يُفِدْ شَيْئًا جَدِيدًا .
وَقَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي"التَّقْرِيبِ":"إنَّهُ الْمَذْهَبُ"، وَنَقَلَهُ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَنْ الْقَائِلِينَ بِالصِّيَغِ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ ، وَكَافَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ بِهِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجُرْجَانِيُّ ، وَنَسَبَهُ لِأَصْحَابِهِ الْحَنَفِيَّةِ .
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إنَّهُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ الْبَاجِيُّ:"إنَّهُ الصَّحِيحُ"، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَابْنُ بَرْهَانٍ ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْجُبَّائِيُّ ، وَنَصَرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ ، وَصَحَّحَهُ إلْكِيَا الطَّبَرِيِّ ، وَابْنُ الْحَاجِبِ ، وَنَقَلَهُ الْآمِدِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ ، وَنَقَلَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ عَنْ الْمُبَرِّدِ وَالْفُقَهَاءِ .
قُلْت: وَنَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ: قَوْلُك شَرِبْت مَاءَ الْبَحْرِ مَحْكُومٌ بِفَسَادِهِ ، لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ وَلَوْلَا اقْتِضَاؤُهُ الْعُمُومَ لَمَا جَاءَ الْفَسَادُ .
لَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَنَّ الْعُمُومَ فِيهِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ أَوْ الْمَعْنَى عَلَى وَجْهَيْنِ ، حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَسُلَيْمٌ الرَّازِيَّ فِي"التَّقْرِيبِ"، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي"الْقَوَاطِعِ"، وَصَحَّحَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ أَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ، وَكَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ: { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } فُهِمَ أَنَّ الْقَطْعَ مِنْ أَجْلِ السَّرِقَةِ .
وَصَحَّحَ سُلَيْمٌ أَنَّهُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ ؛ لِأَنَّ اللَّامَ إمَّا لِلْعَهْدِ وَهُوَ مَفْقُودٌ ، فَبَقِيَ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ، وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ اللَّفْظِ ، وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ لِإِفَادَتِهِ الْعُمُومَ أَنْ يَصْلُحَ أَنْ يَخْلُفَ اللَّامَ فِيهِ"كُلُّ"كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } وَلِهَذَا صَحَّ الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُفِيدُ تَعْرِيفَ الْجِنْسِ ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَحَكَاهُ صَاحِبُ"الْمُعْتَمَدِ"عَنْ أَبِي هَاشِمٍ وَحَكَاهُ صَاحِبُ"الْمِيزَانِ"عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ النَّحْوِيِّ ، وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ ، وَحَكَى بَعْضُ شُرَّاحِ"اللُّمَعِ"عَنْ الْجُبَّائِيُّ أَنَّهُ عَلَى الْعَهْدِ ، وَلَا يَقْتَضِي الْجِنْسَ ، قَالَ: وَحَقِيقَةُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْرِفْ عَيْنَ الْمَعْهُودِ صَارَ مُجْمَلًا ، لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الْمُرَادَ إلَّا بِتَفْسِيرٍ ، وَهَذَا صِفَةُ الْمُجْمَلِ .
وَالثَّالِثُ: أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ يَصْلُحُ لِلْوَاحِدِ وَالْجِنْسِ ، وَلِبَعْضِ الْجِنْسِ ، وَلَا يُصْرَفُ إلَى الْكُلِّ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَحَكَاهُ الْغَزَالِيُّ وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ: ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّهُ مُجْمَلٌ يُحْكَمُ بِظَاهِرِهِ ، وَيُطْلَبُ دَلِيلُ الْمُرَادِ بِهِ .
وَالرَّابِعُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ مَا فِيهِ الْهَاءُ ، وَبَيْنَ مَا لَا هَاءَ فِيهِ ، فَمَا لَيْسَ فِيهِ الْهَاءُ لِلْجِنْسِ عِنْدَ فِقْدَانِهَا ، وَفِي الْقِسْمِ الْآخَرِ التَّوَقُّفُ ، وَنَقَلَهُ الْإِبْيَارِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَقَالَ: إنَّهُ الصَّحِيحُ ، وَاَلَّذِي فِي الْبُرْهَانِ وَنَقَلَهُ عَنْهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ إنْ تَجَرَّدَ عَنْ عَهْدٍ فَلِلْجِنْسِ ، نَحْوُ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ، وَإِنْ لَاحَ عَدَمُ قَصْدِ الْمُتَكَلِّمِ لِلْجِنْسِ فَلِلِاسْتِغْرَاقِ ، نَحْوُ الدِّينَارُ أَشْرَفُ مِنْ الدِّرْهَمِ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هَلْ خَرَجَ عَلَى عَهْدٍ أَوْ إشْعَارٍ بِجِنْسٍ فَمُجْمَلٌ ، وَأَنَّهُ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ عُمُومُهُ ، وَتَنَاوَلَهُ الْجِنْسُ بِحَالَةٍ مُقْتَرِنَةٍ مَعَهُ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ .
الْخَامِسُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ أَنْ يَتَمَيَّزَ لَفْظُ الْوَاحِدِ فِيهِ عَنْ الْجِنْسِ بِالتَّاءِ كَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ ، فَإِذَا عُرِّيَ عَنْ التَّاءِ اقْتَضَى الِاسْتِغْرَاقَ ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: { لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ ، وَالتَّمْرَ بِالتَّمْرِ } قَالَ فِي"الْمَنْخُولِ": وَأَنْكَرَهُ الْفَرَّاءُ مُسْتَدِلًّا بِجَوَازِ جَمْعِهِ عَلَى تُمُورٍ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ جُمِعَ عَلَى اللَّفْظِ لَا الْمَعْنَى .
وَإِنْ لَمْ تَدْخُلْ فِيهِ التَّاءُ لِلتَّوْحِيدِ ؛ فَإِنْ لَمْ يَتَشَخَّصْ مَدْلُولُهُ ، وَلَمْ يَتَعَدَّدْ"كَالذَّهَبِ"فَهُوَ لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ ، إذْ لَا يُعَبَّرُ عَنْ أَبْعَاضِهِ بِالذَّهَبِ الْوَاحِدِ ، وَإِنْ تَشَخَّصَ مَدْلُولُهُ وَتَعَدَّدَ كَالدِّينَارِ وَالرَّجُلِ ، فَيَحْتَمِلُ الْعُمُومَ ، نَحْوُ { لَا يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْكَافِرِ } ، وَيَحْتَمِلُ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ ، وَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَإِنَّمَا: الْجِنْسُ قَوْلُك ، الدِّينَارُ أَفْضَلُ مِنْ الدِّرْهَمِ بِقَرِينَةِ التَّسْعِيرِ .
وَهَذَا التَّفْصِيلُ ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي"الْمُسْتَصْفَى"، وَ"الْمَنْخُولِ"، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالْمَرِيسِيُّ ، وَنَازَعَهُ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي الدِّينَارِ وَالرَّجُلِ .
وَقَالَ الْحَقُّ مَا حَقَّقَهُ وَهُوَ فِي كِتَابِ"مِعْيَارِ الْعِلْمِ"فِي الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إذْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ لِتَعْرِيفِ الْجِنْسِ ، فَإِنَّهُ أَطْلَقَ فِيهِ اقْتِضَاءَهُ الِاسْتِغْرَاقَ بِمُجَرَّدِهِ ، وَلَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ .
وَقَالَ فِي"الْمُسْتَصْفَى": يُحْتَمَلُ كَوْنُهَا لِلْعَهْدِ أَوْ الْجِنْسِ .
وَكَأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ .
قَالَ: وَالْعُمُومُ فِيهِ غَيْرُ عُمُومِ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ عُمُومَ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ إنَّمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى يَدْخُلُ تَحْتَهُ كَثْرَةٌ تَشْمَلُهُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ، وَهَذَا مَعْنَى كَوْنِ الْمُفْرَدِ كُلِّيًّا ، وَأَمَّا الْعُمُومُ الْآخَرُ ، وَهُوَ عُمُومُ الْحُكْمِ لِكُلِّ وَاحِدٍ ، فَلَا يَكُونُ إلَّا فِي قَوْلٍ: كَخَبَرٍ ، أَوْ أَمْرٍ ، أَوْ نَهْيٍ ، مِثْلُ: الْإِنْسَانُ فِي خُسْرٍ ، وَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ ، وَالْحُكْمُ فِي قَوْلِك: خُسْرٍ ، وَكَذَلِكَ الْقَتْلُ فِي الْأَمْرِ .انْتَهَى .
وَحَكَى الْإِمَامُ وَابْنُ الْقُشَيْرِيّ عَنْ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِصِيَغِ الْعُمُومِ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ يُجْمَعُ كَالتَّمْرِ وَالتُّمُورِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَالَةُ الْجَمْعِ .
قَالَ الْإِمَامُ: وَهَذَا لَا حَاصِلَ لَهُ ، فَإِنَّ الِاسْتِغْرَاقَ ثَابِتٌ فِي أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ ، وَيَرِدُ عَلَيْهِمْ امْتِنَاعُ قَوْلِ الْقَائِلِ: تَمْرٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ أَظْهَرُ مِنْ مُتَعَلِّقِهِمْ فِي الْجَمْعِ .
وَقَدْ قَالَ سِيبَوَيْهِ: النَّاقَةُ تُجْمَعُ عَلَى نُوقٍ ، ثُمَّ النُّوقُ تُجْمَعُ عَلَى نِيَاقٍ ، وَهُمَا مِنْ أَبْنِيَةِ الْكَثْرَةِ ، ثُمَّ يُجْمَعُ النِّيَاقُ عَلَى أَيْنُقْ هُوَ ، وَهُوَ مَقْلُوبُ آنِقٍ أَوْ أَنِيقً ، وَالْأَفْعَلُ مِنْ جَمْعِ الْقِلَّةِ .
ثُمَّ قَالَ الْإِمَامُ: وَالْحَقُّ أَنَّ التَّمْرَ أَقْعَدُ بِالْعُمُومِ مِنْ التُّمُورِ ، لِاسْتِرْسَالِهِ عَلَى الْآحَادِ لَا بِصِيغَةٍ لَفْظِيَّةٍ ، وَأَمَّا التُّمُورُ فَإِنَّهُ يَرِدُ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ثُمَّ يَجِيءُ الِاسْتِغْرَاقُ بَعْدَهُ مِنْ صِيغَةِ الْجَمْعِ .
قَالَ شَارِحُوهُ: يُرِيدُ أَنَّ مُطْلَقَ لَفْظِ التَّمْرِ بِإِزَاءِ الْمَعْنَى الْمُشْتَمِلِ لِلْآحَادِ ، وَالتَّمْرُ يُلْتَفَتُ فِيهِ إلَى الْوَاحِدِ ، فَلَا يَحْكُمُ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ بَلْ عَلَى أَفْرَادِهَا .
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ إذَا قَالَ: تُمُورٌ ، فَقَدْ تَخَيَّلَ رَدَّهُ إلَى الْوَاحِدِ عِنْدَ إرَادَةِ الْجَمْعِ ، وَأَرَادَ دَلَالَتَهُ عَلَى الْجِنْسِ ، وَهِيَ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهَا ، وَصَيَّرَ دَلَالَةَ الْجِنْسِ إلَى لَفْظِ الْجَمْعِ الَّذِي فِيهِ خِلَافٌ .
وَقَوْلُهُ: الْجَمْعُ يُرَدُّ إلَى تَخَيُّلِ الْوَحَدَاتِ ، يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ إلَيْهِ .
"الْمَقْصُودَةُ"، وَإِلَّا فَاسْمُ الْجِنْسِ يَتَخَيَّلُ فِيهِ الْوَحَدَاتِ ، لَكِنَّ آحَادَهُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بِخِلَافِ الْجَمْعِ ، وَتَمْثِيلُهُ بِالتَّمْرِ مُعَرَّفًا يُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ التَّمْرَ مُفْرَدٌ ، وَأَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِاللَّامِ يَعُمُّ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي التَّمْرِ: هَلْ هُوَ اسْمُ جِنْسٍ ، لِأَنَّهُ تَمَيَّزَ بِهِ ، وَلَا تَمَيُّزَ إلَّا بِأَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ ، أَوْ جَمْعُ تَمْرَةٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ وَاحِدِهِ وَجَمْعِهِ بِالتَّاءِ ؟ وَالصَّوَابُ: الْأَوَّلُ ، فَإِنَّ التَّمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَفْرَادٍ مَقْصُودَةٍ بِالْعَدَدِ وَإِنَّمَا يُجْمَعُ إذَا قَصَدْت أَنْوَاعَهُ لَا أَفْرَادَهُ ، فَهُوَ فِي أَصْلِ وَضْعِهِ كَمَاءٍ .
وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ( كُلٌّ آمَنَ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكِتَابِهِ ) وَقَالَ:"كِتَابُهُ أَكْثَرُ مِنْ كُتُبِهِ"يُرِيدُ أَنَّ كِتَابَهُ يَنْصَرِفُ إلَى جِنْسِ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ ، فَدَلَالَتُهُ أَعَمُّ مِنْ كُتُبِهِ ، لِأَنَّ كُتُبَهُ جَمْعٌ .
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأَنَّ الْكِتَابَ وَاحِدٌ نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الْجِنْسِ ، فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الْعُمُومِ مِنْ الْجَمْعِ ، فَمَعْنَاهُ مُفْرَدًا أَدَلُّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ مِنْهُ جَمْعًا ، وَفِي قَوْلِهِ: نَحَّى بِهِ نَحْوَ اسْمِ الْجِنْسِ ، مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ غَيْرَ اسْمِ الْجِنْسِ ، لِأَنَّ مَا نُحِيَ بِهِ نَحْوُ الشَّيْءِ غَيْرُ ذَلِكَ الشَّيْءِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ يَرَى أَنَّ تَمْرًا اسْمُ جَمْعٍ لَا جَمْعٌ كَرَهْطٍ وَقَوْمٍ ، وَهُوَ قَوْلٌ ، فَفِي تَمْرٍ إذَنْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: { وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا } إنَّ الْمَلَكَ أَعَمُّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَذُكِرَ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَوَاضِعَ .
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْخِلَافَ نَظِيرُ الْخِلَافِ السَّابِقِ فِي الْأَلِفِ وَاللَّامِ الدَّاخِلَةِ عَلَى الْجَمْعِ وَيَزِيدُ هَاهُنَا مَذَاهِبُ أُخْرَى كَمَا بَيَّنَّا .
وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى الْمُفْرَدِ أَوْ الْجَمْعِ تُفِيدُ الِاسْتِغْرَاقَ فِيهِمَا جَمِيعًا عِنْدَ مُعْظَمِ الْأُصُولِيِّينَ ، إلَّا إذَا كَانَ مَعْهُودًا .
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ فِيهِمَا لَا الِاسْتِغْرَاقِ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ أَبِي هَاشِمٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ .
وَالثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ إنَّهُ فِي الْمُفْرَدِ لِمُطْلَقِ الْجِنْسِ ، وَفِي الْجَمْعِ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ ، لَا لِلِاسْتِغْرَاقِ إلَّا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذَا دَخَلَتْ عَلَى الْمُفْرَدِ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يُرَادَ بِهِ الْجِنْسُ إلَى أَنْ يُحَاطَ بِهِ ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ إلَى الْوَاحِدِ مِنْهُ ، وَإِذَا دَخَلَتْ عَلَى الْجَمْعِ صَحَّ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ الْجِنْسِ ، وَأَنْ يُرَادَ بِهِ بَعْضُهُ لَا إلَى الْوَاحِدِ ، وَهَذَا مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ } فَإِنَّ الْحُرْمَةَ غَيْرُ مُتَوَقِّفَةٍ عَلَى الْجَمْعِ وقَوْله تَعَالَى: { فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ } .
وَالصَّحِيحُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعَامَّةُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: { إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ } وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِ اسْتِثْنَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ } إلَى قَوْلِهِ: { إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا } وَقَوْلِهِ: { إنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا } إلَى قَوْلِهِ: { إلَّا الْمُصَلِّينَ } ، وَاسْتِثْنَاءُ الْمُصَلِّينَ دَالٌّ عَلَى الِاسْتِغْرَاقِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: { الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ } وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ جِنْسِ الْحِنْطَةِ ، وَلَنَا فِي الْجَمْعِ قَوْله تَعَالَى: ( يَأَيُّهَا النَّاسُ ) وَالْمُرَادُ بِهِ كُلُّ الْجِنْسِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ: { وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ } وَالْمُرَادُ بِهِ الْكُلُّ ، وَالْمَعْقُولُ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الْجِنْسِ كَانَ مُسْتَفَادًا قَبْلَ دُخُولِ اللَّامِ ، وَلَا بُدَّ لِدُخُولِهَا مِنْ فَائِدَةٍ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا الِاسْتِغْرَاقَ .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ الدَّاخِلَةَ عَلَى اسْمِ الْجِنْسِ ، إمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الْعَهْدَ فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ عُمُومِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ بِهَا تَعْرِيفَ اسْمِ الْجِنْسِ فَلَا إشْكَالَ فِي عُمُومِهِ ، وَإِمَّا أَنْ يُشْكِلَ الْحَالُ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْ الْعَهْدِ ؟ خِلَافٌ ، وَالصَّحِيحُ التَّعْمِيمُ ، وَإِمَّا أَنْ يَقْصِدَ تَعْرِيفَ الْمَاهِيَّةِ ، أَيْ حَقِيقَةَ الْجِنْسِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْأَفْرَادِ ، فَهِيَ لِبَيَانِ الْحَقِيقَةِ .
وَمِنْهُ قَوْلُك: الرَّجُلُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَرْأَةِ ، قَالَ ابْنُ الْقُشَيْرِيّ فِي أُصُولِهِ: هَذَا مِمَّا تَرَدَّدُوا فِيهِ ، فَقِيلَ: لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ .
وَقِيلَ: لَا وَاخْتَارَ الْإِمَامُ التَّفْصِيلَ بَيْنَ أَنْ يُعَرِّفَ هُنَا بِنَاءً عَلَى تَنْكِيرٍ سَابِقٍ ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: اُقْتُلْ رَجُلًا ثُمَّ يَقُولَ: اُقْتُلْ الرَّجُلَ ، فَلَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، فَإِنْ قَالَهُ ابْتِدَاءً فَلِلْجِنْسِ ، وَإِنْ لَمْ يَدْرِ هَلْ خَرَجَ تَعْرِيفًا لِنَكِرَةٍ سَابِقَةٍ أَوْ إشْعَارًا بِالْجِنْسِ ، فَمَيْلُ الْمُعْظَمِ إلَى أَنَّهُ لِلْجِنْسِ .
وَالْحَقُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ مُجْمَلٌ ، فَإِنَّهُ مِنْ حَيْثُ يَعُمُّ لَا يَعُمُّ بِصِيغَةِ اللَّفْظِ ، بَلْ لِاقْتِرَانِ حَالَةٍ مُشْعِرَةٍ بِالْجِنْسِ ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدْ لَمْ يُتَّجَهْ إلَى التَّوَقُّفِ ، وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ لِلَمْحِ الصِّفَةِ كَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ ، أَوْ لِلْغَلَبَةِ كَالنَّجْمِ لِلثُّرَيَّا ، فَلَا إشْكَالَ فِي عَدَمِ عُمُومِهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْلَامِ .البحر المحيط - (ج 3 / ص 370) فما بعد
وانظر أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 6 / ص 18) والتقرير والتحبير - (ج 2 / ص 12) وشرح الكوكب المنير - (ج 3 / ص 155) وشرح التلويح على التوضيح - (ج 1 / ص 218) وحاشية العطار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع - (ج 3 / ص 304) وإرشاد الفحول الي تحقيق الحق من علم الاصول - (ج 1 / ص 268) وتيسير التحرير - (ج 1 / ص 220) وفواتح الرحموت - (ج 1 / ص 241) وغاية الوصول في شرح لب الأصول - (ج 1 / ص 60)