فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 463

(78) سورة الحج،وَقَالَ تَعَالَى: { .. يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .. } (185) سورة البقرة. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - لَنَا لَمَّا رَجَعَ مِنَ الأَحْزَابِ «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلاَّ فِى بَنِى قُرَيْظَةَ» . فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمُ الْعَصْرَ فِى الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لاَ نُصَلِّى حَتَّى نَأْتِيَهَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّى لَمْ يُرَدْ مِنَّا ذَلِكَ. فَذُكِرَ لِلنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ (1)

(1) البخارى برقم (946) ومسلم برقم (4701)

وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 11 / ص 452)

قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْره. فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّهُ لَا يُعَاب عَلَى مِنْ أَخَذ بِظَاهِرِ حَدِيث أَوْ آيَة، وَلَا عَلَى مِنْ اِسْتَنْبَطَ مِنْ النَّصّ مَعْنَى يُخَصّصْهُ، وَفِيهِ أَنَّ كُلّ مُخْتَلِفَيْن فِي الْفُرُوع مِنْ الْمُجْتَهِدَيْن مُصِيب، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَلَا يَسْتَحِيل أَنْ يَكُون الشَّيْء صَوَابًا فِي حَقّ إِنْسَان وَخَطَأ فِي حَقّ غَيْره وَإِنَّمَا الْمُحَال أَنْ يَحْكُم فِي النَّازِلَة بِحُكْمَيْنِ مُتَضَادَّيْن فِي حَقّ شَخْص وَاحِد، قَالَ: وَالْأَصْل فِي ذَلِكَ أَنَّ الْحَظْر وَالْإِبَاحَة صِفَات أَحْكَام لَا أَعْيَان قَالَ: فَكُلّ مُجْتَهِد وَافَقَ اِجْتِهَاده وَجْهًا مِنْ التَّأْوِيل فَهُوَ مُصِيب اِنْتَهَى. وَالْمَشْهُور أَنَّ الْجُمْهُور ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الْمُصِيب فِي الْقَطْعِيَّات وَاحِد، وَخَالَفَ الْجَاحِظ وَالْعَنْبَرِيّ. وَأَمَّا مَا لَا قَطْع فِيهِ فَقَالَ الْجُمْهُور أَيْضًا: الْمُصِيب وَاحِد، وَقَدْ ذَكَر ذَلِكَ الشَّافِعِيّ وَقَرَّرَهُ، وَنُقِلَ عَنْ الْأَشْعَرِيّ أَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب، وَأَنَّ حُكْم اللَّه تَابِع لِظَنِّ الْمُجْتَهِد. وَقَالَ بَعْض الْحَنَفِيَّة وَبَعْض الشَّافِعِيَّة. وَهُوَ مُصِيب بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْ مَا فِي نَفْس الْأَمْر فَهُوَ مُخْطِئ وَلَهُ أَجْر وَاحِد، وَسَيَأْتِي بَسْطُ هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي كِتَاب الْأَحْكَام إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. ثُمَّ الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الْقِصَّة عَلَى أَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب عَلَى الْإِطْلَاق لَيْسَ بِوَاضِحِ. وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْكُ تَعْنِيف مَنْ بَذَل وُسْعَهُ وَاجْتَهَدَ، فَيُسْتَفَاد مِنْهُ عَدَم تَأْثِيمه. وَحَاصِل مَا وَقَعَ فِي الْقِصَّة أَنَّ بَعْض الصَّحَابَة حَمَلُوا النَّهْي عَلَى حَقِيقَته، وَلَمْ يُبَالُوا بِخُرُوجِ الْوَقْت تَرْجِيحًا لِلنَّهْيِ الثَّانِي عَلَى النَّهْي الْأَوَّل وَهُوَ تَرْكُ تَأْخِير الصَّلَاة عَنْ وَقْتهَا، وَاسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّأْخِير لِمَنْ اُشْتُغِلَ بِأَمْرِ الْحَرْب بِنَظِيرِ مَا وَقَعَ فِي تِلْكَ الْأَيَّام بِالْخَنْدَقِ فَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيث جَابِر الْمُصَرِّح بِأَنَّهُمْ صَلَّوْا الْعَصْر بَعْدَمَا غَرَبَتْ الشَّمْس وَذَلِك لِشَغْلِهِمْ بِأَمْرِ الْحَرْب، فَجَوَّزُوا أَنْ يَكُون ذَلِكَ عَامًّا فِي كُلّ شُغْل يَتَعَلَّق بِأَمْرِ الْحَرْب وَلَا سِيَّمَا وَالزَّمَان زَمَان التَّشْرِيع، وَالْبَعْض الْآخَر حَمَلُوا النَّهْي عَلَى غَيْر الْحَقِيقَة وَأَنَّهُ كِنَايَة عَنْ الْحَثّ وَالِاسْتِعْجَال وَالْإِسْرَاع إِلَى بَنِي قُرَيْظَة. وَقَدْ اِسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُور عَلَى عَدَم تَأْثِيم مِنْ اُجْتُهِدَ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُعَنِّف أَحَدًا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، فَلَوْ كَانَ هُنَاكَ إِثْم لَعَنّفَ مَنْ أَثِمَ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ اِبْن حِبَّان عَلَى أَنَّ تَارِك الصَّلَاة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا لَا يُكَفَّر، وَفِيهِ نَظَر لَا يَخْفَى. وَاسْتَدَلَّ بِهِ غَيْره عَلَى جَوَاز الصَّلَاة عَلَى الدَّوَابّ فِي شِدَّة الْخَوْف، وَفِيهِ نَظَر قَدْ أَوْضَحْتُهُ فِي بَاب صَلَاة الْخَوْف. وَعَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَمَّد تَأْخِير الصَّلَاة حَتَّى يَخْرُج وَقْتهَا يَقْضِيهَا بَعْد ذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا الْعَصْر صَلَّوْهَا بَعْد ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ عِنْد اِبْن إِسْحَاق أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا فِي وَقْت الْعِشَاء، وَعِنْد مُوسَى بْن عُقْبة أَنَّهُمْ صَلَّوْهَا بَعْد أَنْ غَابَتْ الشَّمْس، وَكَذَا فِي حَدِيث كَعْب بْن مَالِك، وَفِيهِ نَظَر أَيْضًا لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤَخِّرُوهَا إِلَّا لِعُذْر تَأَوَّلُوهُ، وَالنِّزَاع إِنَّمَا هُوَ فِيمَنْ أَخَّرَ عَمْدًا بِغَيْرِ تَأْوِيل، وَأَغْرَب اِبْن الْمُنِير فَادَّعَى أَنَّ الطَّائِفَة الَّذِينَ صَلَّوْا الْعَصْر لَمَّا أَدْرَكَتْهُمْ فِي الطَّرِيق إِنَّمَا صَلَّوْهَا وَهُمْ عَلَى الدَّوَابّ، وَاسْتَنَدَ إِلَى أَنَّ النُّزُول إِلَى الصَّلَاة يُنَافِي مَقْصُود الْإِسْرَاع فِي الْوُصُول، قَالَ: فَإِنَّ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا عَمَدُوا بِالدَّلِيلِ الْخَاصّ وَهُوَ الْأَمْر بِالْإِسْرَاعِ فَتَرَكُوا عُمُوم إِيقَاع الْعَصْر فِي وَقْتهَا إِلَى أَنْ فَاتَ، وَاَلَّذِينَ صَلَّوْا جَمَعُوا بَيْن دَلِيلَيْ وُجُوب الصَّلَاة وَوُجُوب الْإِسْرَاع فَصَلَّوْا رُكْبَانًا، لِأَنَّهُمْ لَوْ صَلَّوْا نُزُولًا لَكَانَ مُضَادَّة لِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْإِسْرَاع وَلَا يَظُنّ ذَلِكَ بِهِمْ مَعَ ثُقُوب أَفْهَامهمْ اِنْتَهَى. وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّهُ لَمْ يُصَرِّح لَهُمْ بِتَرْكِ النُّزُول، فَلَعَلَّهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَاد بِأَمْرِهِمْ أَنْ لَا يُصَلُّوا الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة الْمُبَالَغَة فِي الْأَمْر بِالْإِسْرَاعِ فَبَادَرُوا إِلَى اِمْتِثَال أَمْرِهِ، وَخَصُّوا وَقْت الصَّلَاة مِنْ ذَلِكَ لِمَا تَقَرّرَ عِنْدهمْ مِنْ تَأْكِيد أَمْرِهَا، فَلَا يَمْتَنِع أَنْ يَنْزِلُوا فَيُصَلُّوا وَلَا يَكُون فِي ذَلِكَ مُضَادَّة لِمَا أُمِرُوا بِهِ، وَدَعْوَى أَنَّهُمْ صَلَّوْا رُكْبَانًا يَحْتَاج إِلَى دَلِيل وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا فِي شَيْء مِنْ طُرُق هَذِهِ الْقِصَّة، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَحْث اِبْن بَطّالٍ فِي ذَلِكَ فِي"بَاب صَلَاة الْخَوْف". وَقَالَ اِبْن الْقَيِّم فِي الْهَدْي مَا حَاصِله: كُلّ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَأْجُور بِقَصْدِهِ، إِلَّا أَنَّ مَنْ صَلَّى حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ: اِمْتِثَال الْأَمْر فِي الْإِسْرَاع، وَامْتِثَال الْأَمْر فِي الْمُحَافَظَة عَلَى الْوَقْت وَلَا سِيَّمَا مَا فِي هَذِهِ الصَّلَاة بِعَيْنِهَا مِنْ الْحَثّ عَلَى الْمُحَافَظَة عَلَيْهَا وَأَنَّ مَنْ فَاتَتْهُ حَبَطَ عَمَله، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَنِّف الَّذِينَ أَخَّرُوهَا لِقِيَامِ عُذْرهمْ فِي اِلْتَمَسَك بِظَاهِرِ الْأَمْر، وَلِأَنَّهُمْ اِجْتَهَدُوا فَأَخَّرُوا لِامْتِثَالِهِمْ الْأَمْر. لَكِنّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا إِلَى أَنْ يَكُون اِجْتِهَادهمْ أَصْوَبُ مِنْ اِجْتِهَاد الطَّائِفَة الْأُخْرَى. وَأَمَّا مَنْ اِحْتَجَّ لِمَنْ أَخَّرَ بِأَنَّ الصَّلَاة حِينَئِذٍ كَانَتْ تُؤَخَّر كَمَا فِي الْخَنْدَق وَكَانَ ذَلِكَ بَيّن فِي قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَر لَمَّا قَالَ لَهُ مَا كِدْت أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَتْ الشَّمْس أَنْ تَغْرُب، فَقَالَ: وَاَللَّه مَا صَلَّيْتهَا. لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَاكِرًا لَهَا لَبَادَرَ إِلَيْهَا كَمَا صَنَعَ عُمَر اِنْتَهَى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت