فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 463

فَالْأَوَّلُونَ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الْخِطَابِ فَجَعَلُوا صُورَةَ الْفَوَاتِ دَاخِلَةً فِي الْعُمُومِ وَالْآخَرُونَ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الدَّلِيلِ مَا يُوجِبُ خُرُوجَ هَذِهِ الصُّورَةِ عَنْ الْعُمُومِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْقَوْمِ.

وَهِيَ مَسْأَلَةٌ اخْتَلَفَ فِيهَا الْفُقَهَاءُ اخْتِلَافًا مَشْهُورًا: هَلْ يُخَصُّ الْعُمُومُ بِالْقِيَاسِ؟ (1)

(1) - وفي شرح الكوكب المنير - (ج 2 / ص 193)

(وَ) يَجُوزُ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ الْعَامِّ أَيْضًا (بِالْقِيَاسِ) قَطْعِيًّا كَانَ أَوْ ظَنِّيًّا، ثُمَّ إنْ كَانَ قَطْعِيًّا خُصَّ بِهِ الْعَامُّ قَطْعًا.

قَالَهُ الْإِبْيَارِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ وَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ ظَنِّيًّا.

فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْأَشْعَرِيُّ وَالْأَكْثَرُ: جَوَازُ التَّخْصِيصِ بِهِ.

وَعِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالطُّوفِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا: يُخَصَّصُ الْقِيَاسُ الْجَلِيُّ دُونَ غَيْرِهِ.

وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الْجَلِيِّ وَالْخَفِيِّ.

فَقِيلَ: الْجَلِيُّ قِيَاسُ الْعِلَّةِ.

وَالْخَفِيُّ قِيَاسُ الشَّبَهِ.

وَقِيلَ: الْجَلِيُّ: مَا تَبَادَرَتْ عِلَّتُهُ إلَى الْفَهْمِ عِنْدَ سَمَاعِ الْحُكْمِ.

كَتَعْظِيمِ الْأَبَوَيْنِ عِنْدَ سَمَاعِ قَوْله تَعَالَى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} وَقِيلَ: الْجَلِيُّ مَا يَنْقُضُ قَضَاءَ الْقَاضِي بِخِلَافِهِ وَالْخَفِيُّ خِلَافُهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبَانَ: يُخَصُّ بِالْقِيَاسِ إنْ كَانَ الْعَامُّ مُخَصَّصًا.

فَقَالَ: إنْ خُصَّ الْعَامُّ بِغَيْرِ الْقِيَاسِ.

جَازَ تَخْصِيصُهُ بِالْقِيَاسِ وَإِلَّا فَلَا.

وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَمَنَعَ قَوْمٌ التَّخْصِيصَ بِالْقِيَاسِ فِي الْقُرْآنِ خَاصَّةً.

وَعُزِيَ إلَى الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ عِنْدَهُمْ نَسْخٌ.

وَلَا يُنْسَخُ الْقُرْآنُ بِالْقِيَاسِ وَلَوْ كَانَ جَلِيًّا.

وَاسْتَدَلَّ لِلتَّخْصِيصِ بِالْقِيَاسِ بِأَنَّ الْقِيَاسَ خَاصٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ.

وَفِيهِ جَمْعٌ بَيْنَهُمَا، فَقَدَّمَ التَّخْصِيصَ بِهِ (وَيُصْرَفُ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَاسِ مَعْنًى (ظَاهِرٌ غَيْرُ عَامٍّ) مِنْ أَحَدِ مَعْنَيَيْنِ يَحْتَمِلُهُمَا لَفْظٌ وَاحِدٌ، هُوَ فِي أَحَدِهِمَا ظَاهِرٌ وَفِي الْآخَرِ مَرْجُوحٌ (إلَى احْتِمَالٍ مَرْجُوحٍ) أَيْ إلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَرْجُوحٌ لِكَوْنِ اللَّفْظِ غَيْرَ ظَاهِرٍ فِيهِ لِأَجْلِ مُوَافَقَتِهِ الْقِيَاسَ (وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَنَحْوُهَا) وَهِيَ صَرْفُ الظَّاهِرِ إلَى الْمُحْتَمَلِ الْمَرْجُوحِ (ظَنِّيَّةٌ) لِأَنَّ أَدِلَّتَهَا ظَنِّيَّةٌ لَا قَطْعِيَّةٌ.

فَتَكُونَ مِنْ ظَاهِرِ بَابِ أَنَّهُ يُرَجَّحُ تَعْرِيفٌ مُقَرِّرٌ لِنَفْيِ حُكْمٍ عَلَى تَعْرِيفٍ مُقَرِّرٍ لِلْإِثْبَاتِ (أَوْ دَرْءِ حَدٍّ) يَعْنِي: أَنَّهُ يُرَجَّحُ تَعْرِيفٌ مُقَرِّرٌ لِدَرْءِ حَدٍّ، بِأَنْ يَلْزَمَ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ دَرْءُ الْحَدِّ، عَلَى مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ (أَوْ ثُبُوتِ عِتْقٍ، أَوْ) ثُبُوتِ (طَلَاقٍ وَنَحْوِهِ) يَعْنِي أَنَّهُ يُرَجَّحُ أَحَدُ التَّعْرِيفَيْنِ بِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِهِ ثُبُوتُ عِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَمَلِ بِذَلِكَ قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ وَغَيْرُهُ.

ثُمَّ قَالَ: فَالتَّرْجِيحُ بِهِ عَلَى مَا سَبَقَ فِي الْحُجَجِ.

(وَضَابِطُ التَّرْجِيحِ) يَعْنِي الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ فِي التَّرْجِيحِ (أَنَّهُ مَتَى اقْتَرَنَ بِأَحَدِ) دَلِيلَيْنِ (مُتَعَارِضَيْنِ أَمْرٌ نَقْلِيٌّ) كَآيَةٍ أَوْ خَبَرٍ (أَوْ) أَمْرٍ (اصْطِلَاحِيٍّ) كَعُرْفٍ أَوْ عَادَةٍ (عَامٌّ) ذَلِكَ الْأَمْرُ (أَوْ خَاصٌّ، أَوْ) اقْتَرَنَ بِأَحَدِ الدَّلِيلَيْنِ (قَرِينَةٌ عَقْلِيَّةٌ، أَوْ) قَرِينَةٌ (لَفْظِيَّةٌ، أَوْ) قَرِينَةٌ (حَالِيَّةٌ، وَأَفَادَ) ذَلِكَ الِاقْتِرَانُ (زِيَادَةَ ظَنٍّ: رُجِّحَ بِهِ) لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ رُجْحَانَ الدَّلِيلِ هُوَ بِالزِّيَادَةِ فِي قُوَّتِهِ أَوْ ظَنِّ إفَادَتِهِ الْمَدْلُولَ، وَذَلِكَ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ لَا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ.

وَإِنْ اخْتَلَفَتْ مَدَارِكُهُ (وَتَفَاصِيلُهُ) أَيْ: تَفَاصِيلُ التَّرْجِيحِ (لَا تَنْحَصِرُ) وَذَلِكَ: لِأَنَّ مُثَارَاتِ الظُّنُونِ الَّتِي بِهَا الرُّجْحَانُ وَالتَّرْجِيحُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

فَحَصْرُهَا بَعِيدٌ؛ لِأَنَّك إذَا اعْتَبَرْت التَّرْجِيحَاتِ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ جِهَةِ مَا يَقَعُ فِي الْمُرَكَّبَاتِ مِنْ نَفْسِ الدَّلَائِلِ وَمُقَدَّمَاتِهَا، وَفِي الْحُدُودِ مِنْ جِهَةِ مَا يَقَعُ فِي نَفْسِ الْحُدُودِ مِنْ مُفْرَدَاتِهَا، ثُمَّ رَكَّبْت بَعْضَهَا مَعَ بَعْضٍ حَصَلَ أُمُورٌ لَا تَكَادُ تَنْحَصِرُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت