فهرس الكتاب
أَفَيَسْتَحِلُّ مُسْلِمٌ أَنْ يَقُولَ:إنَّ فُلَانًا وَفُلَانًا كَانَا كَافِرَيْنِ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَكَذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَعَنَ فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَ الْخَمْرِ وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا (1) . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وُجُوهٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» (2) . وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» (3)
(1) - سنن الترمذى برقم (1342) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى الْخَمْرِ عَشَرَةً عَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَشَارِبَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَآكِلَ ثَمَنِهَا وَالْمُشْتَرِىَ لَهَا وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ. وهو صحيح لغيره
(2) - صحيح البخارى برقم (242) و صحيح مسلم برقم (5329)
(3) - صحيح مسلم برقم (5336 - 5339)
وفي نيل الأوطار - (ج 11 / ص 321)
اعْلَمْ أَنَّ الْخَمْرَ يُطْلَقُ عَلَى عَصِيرِ الْعِنَبِ الْمُشْتَدِّ إطْلَاقًا حَقِيقِيًّا إجْمَاعًا.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا؟ وَعَلَى الثَّانِي هَلْ مَجَازُ لُغَةٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ؟ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: الْخَمْرُ عِنْدَنَا مَا اُعْتُصِرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ إذَا اشْتَدَّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى.
أَوْ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ عَلَى الْخَمْرِ الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ مَنْ يُثْبِتُ التَّسْمِيَةَ بِالْقِيَاسِ.
وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرَّاغِبِ أَنَّ الْخَمْرَ عِنْدَ الْبَعْضِ اسْمٌ لِكُلِّ مُسْكِرٍ وَعِنْدَ بَعْضٍ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ لِغَيْرِ الْمَطْبُوخِ، وَرَجَّحَ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يَسْتُرُ الْعَقْلَ يُسَمَّى خَمْرًا لِأَنَّهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُخَامَرَتِهَا لِلْعَقْلِ وَسَتْرِهَا لَهُ، وَكَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْهُمْ الْجَوْهَرِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيِّ وَالدِّينَوَرِيُّ وَصَاحِبُ الْقَامُوسِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهَا حُرِّمَتْ بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانَ شَرَابُهُمْ يَوْمَئِذٍ إلَّا نَبِيذَ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ.
وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّ الْخَمْرَ فِي الْأَصْلِ: السَّتْرُ، وَمِنْهُ خِمَارُ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ وَجْهَهَا، وَالتَّغْطِيَةُ وَمِنْهُ: {خَمِّرُوا آنِيَتَكُمْ} أَيْ غَطُّوهَا، وَالْمُخَالَطَةُ وَمِنْهُ خَامَرَهُ دَاءٌ: أَيْ خَالَطَهُ، وَالْإِدْرَاكُ وَمِنْهُ اخْتَمَرَ الْعَجِينُ: أَيْ بَلَغَ وَقْتُ إدْرَاكِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْأَوْجُهُ كُلُّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْخَمْرِ لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَسَكَنَتْ، فَإِذَا شُرِبَتْ خَالَطَتْ الْعَقْلَ حَتَّى تَغْلِبَ عَلَيْهِ وَتُغَطِّيَهُ.
وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سُمِّيَتْ الْخَمْرُ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى اخْتَمَرَتْ، وَاخْتِمَارُهَا تَغَيُّرُ رَائِحَتِهَا.
قَالَ الْخَطَّابِيِّ: زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَعْرِفُ الْخَمْرَ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ،
فَيُقَالُ لَهُمْ: إنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ سَمَّوْا غَيْرَ الْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَبِ خَمْرًا عَرَبٌ فُصَحَاءُ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْمُ صَحِيحًا لَمَا أَطْلَقُوهُ انْتَهَى.
وَيُجَابُ بِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْإِطْلَاقُ الْوَاقِعُ مِنْهُمْ شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا، وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال عَلَى اخْتِصَاصِ الْخَمْرِ بِعَصِيرِ الْعِنَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} فَفَاسِدٌ لِأَنَّ الصِّيغَةَ لَا دَلِيلَ فِيهَا عَلَى الْحَصْرِ الْمُدَّعَى وَذِكْرُ شَيْءٍ بِحُكْمٍ لَا يَنْفِي مَا عَدَاهُ.
وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَائِرِ الْحِجَازِيِّينَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كُلِّهِمْ أَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ عَلَى صِحَّتهَا وَكَثْرَتِهَا تُبْطِلُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْرَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الْخَمْرِ، وَهُوَ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِلُغَةِ الْعَرَبِ وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ وَلِلصَّحَابَةِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَهِمُوا مِنْ الْأَمْرِ بِالِاجْتِنَابِ تَحْرِيمَ كُلِّ مَا يُسْكِرُ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْعِنَبِ وَبَيْنَ مَا يُتَّخَذُ مِنْ غَيْرِهِ بَلْ سَوَّوْا بَيْنَهُمَا وَحَرَّمُوا كُلَّ مَا يُسْكِرُ نَوْعُهُ وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَمْ يَسْتَفْصِلُوا وَلَمْ يُشْكِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بَلْ بَادَرُوا إلَى إتْلَافِ مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُمْ تَرَدُّدٌ لَتَوَقَّفُوا عَنْ الْإِرَاقَةِ حَتَّى يَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيمَ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرٌ، وَمِنْ الشَّعِيرِ خَمْرٌ وَمِنْ التَّمْرِ خَمْرٌ، وَمِنْ الزَّبِيبِ خَمْرٌ، وَمِنْ الْعَسَلِ خَمْرٌ} .
وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ:"أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ"
وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ.
وَتُعَقِّبَ بِأَنَّ ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إطْلَاقًا لِلِاسْمِ الشَّرْعِيِّ لَا اللُّغَوِيِّ فَيَكُونُ حَقِيقَةً شَرْعِيَّةً.
قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: الْقَائِلُ بِأَنَّ الْخَمْرَ مِنْ الْعِنَبِ وَغَيْرِهِ عُمَرُ وَعَلِيٌّ وَسَعْدٌ وَابْنُ عُمَرَ وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ، وَمِنْ غَيْرِهِمْ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَعَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَحَكَاهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمَذْكُورِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ إلَّا أَبَا مُوسَى وَعَائِشَةَ وَعَنْ الْمَذْكُورِينَ مِنْ غَيْرِهِمْ إلَّا ابْنَ الْمُسَيِّبِ، وَزَادَ الْعِتْرَةَ وَمَالِكًا وَالْأَوْزَاعِيَّ وَقَالَ: إنَّهُ يَكْفُرُ مُسْتَحِلُّ خَمْرِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَيَفْسُقُ مُسْتَحِلُّ مَا عَدَاهُمَا وَلَا يَكْفُرُ لِهَذَا الْخِلَافِ، ثُمَّ قَالَ: فَرْعٌ: وَتَحْرِيمُ سَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ بِالسُّنَّةِ وَالْقِيَاسِ فَقَطْ إذْ لَا يُسَمَّى خَمْرًا إلَّا مَجَازًا.
وَقِيلَ: بِهِمَا وَبِالْقُرْآنِ لِتَسْمِيَتِهَا خَمْرًا فِي حَدِيثِ: {إنَّ مِنْ التَّمْرِ خَمْرًا} الْخَبَرُ، وَقَوْلُ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عُمَرَ:"الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ"قُلْنَا: مَجَازًا انْتَهَى.
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَحَادِيثُ: مِنْهَا مَا هُوَ بِلَفْظِ: {كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ.كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ} وَمِنْهَا مَا هُوَ بِلَفْظِ: {كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ} وَهَذَا لَا يُفِيدُ الْمَطْلُوبَ وَهُوَ كَوْنُهَا حَقِيقَةً فِي غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ، أَوْ مَجَازًا لِأَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ غَايَةَ مَا يَثْبُت بِهَا أَنَّ الْمُسْكِرَ عَلَى عُمُومِهِ يُقَالُ لَهُ: خَمْرٌ وَيُحْكَمُ بِتَحْرِيمِهِ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ لَا لُغَوِيَّةٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْخَطَّابِيِّ بِمِثْلِ هَذَا وَقَالَ: إنَّ مُسَمَّى الْخَمْرِ كَانَ مَجْهُولًا عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ حَتَّى بَيَّنَهُ الشَّارِعُ بِأَنَّهُ مَا أَسْكَرَ فَصَارَ ذَلِكَ كَلَفْظِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْحَقَائِقِ الشَّرْعِيَّةِ، وَقَدْ عَرَفْت مَا سَلَفَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ مِنْ الْخِلَافِ.