فهرس الكتاب
وَخَطَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: الْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ (1)
(1) - صحيح البخارى برقم (5588) ِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ إِنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهْىَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، وَثَلاَثٌ وَدِدْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُفَارِقْنَا حَتَّى يَعْهَدَ إِلَيْنَا عَهْدًا الْجَدُّ وَالْكَلاَلَةُ وَأَبْوَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا. قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا عَمْرٍو فَشَىْءٌ يُصْنَعُ بِالسِّنْدِ مِنَ الرُّزِّ. قَالَ ذَاكَ لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْ قَالَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ.
وفي فتح الباري لابن حجر - (ج 16 / ص 60)
قَوْله (وَالْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل) أَيْ غَطَّاهُ أَوْ خَالَطَهُ فَلَمْ يَتْرُكهُ عَلَى حَالِهِ وَهُوَ مِنْ مَجَاز التَّشْبِيه، وَالْعَقْل هُوَ آلَة التَّمْيِيز فَلِذَلِكَ حُرِّمَ مَا غَطَّاهُ أَوْ غَيْره، لِأَنَّ بِذَلِكَ يَزُول الْإِدْرَاك الَّذِي طَلَبَهُ اللَّه مِنْ عِبَاده لِيَقُومُوا بِحُقُوقِهِ، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هَذَا تَعْرِيف بِحَسَبِ اللُّغَة، وَأَمَّا بِحَسَبِ الْعُرْف فَهُوَ مَا يُخَامِر الْعَقْل مِنْ عَصِير الْعِنَب خَاصَّة، كَذَا قَالَ، وَفِيهِ نَظَر لِأَنَّ عُمَر لَيْسَ فِي مَقَام تَعْرِيف اللُّغَة بَلْ هُوَ فِي مَقَام تَعْرِيف الْحُكْم الشَّرْعِيّ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: الْخَمْر الَّذِي وَقَعَ تَحْرِيمه فِي لِسَانِ الشَّرْع هُوَ مَا خَامَرَ الْعَقْل. عَلَى أَنَّ عِنْد أَهْل اللُّغَة اِخْتِلَافًا فِي ذَلِكَ كَمَا قَدَّمْته، وَلَوْ سَلِمَ أَنَّ الْخَمْر فِي اللُّغَة يَخْتَصّ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب فَالِاعْتِبَار بِالْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّة وَقَدْ تَوَارَدَتْ الْأَحَادِيث عَلَى أَنَّ الْمُسْكِر مِنْ الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب يُسَمَّى خَمْرًا، وَالْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة مُقَدَّمَة عَلَى اللُّغَوِيَّة، وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة"سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ النَّخْلَة وَالْعِنَبَة"قَالَ الْبَيْهَقِيُّ. لَيْسَ الْمُرَاد الْحَصْر فِيهِمَا لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ الْخَمْر تُتَّخَذ مِنْ غَيْرهمَا فِي حَدِيث عُمَر وَغَيْره، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِشَارَة إِلَى أَنَّ الْخَمْر شَرْعًا لَا تَخْتَصّ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب، قُلْت: وَجَعَلَ الطَّحَاوِيُّ هَذِهِ الْأَحَادِيث مُتَعَارِضَة، وَهِيَ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة فِي أَنَّ الْخَمْر مِنْ شَيْئَيْنِ مَعَ حَدِيث عُمَر وَمَنْ وَافَقَهُ أَنَّ الْخَمْر تُتَّخَذ مِنْ غَيْرهمَا، وَكَذَا حَدِيث اِبْنِ عُمَر"لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْر وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْء"وَحَدِيث أَنَس يَعْنِي الْمُتَقَدِّم ذِكْره وَبَيَان اِخْتِلَاف أَلْفَاظه مِنْهَا:"إِنَّ الْخَمْر حُرِّمَتْ وَشَرَابهمْ الْفَضِيخ"وَفِي لَفْظ لَهُ"إِنَّا نَعُدّهَا يَوْمئِذٍ خَمْرًا"وَفِي لَفْظ لَهُ"إِنَّ الْخَمْر يَوْم حُرِّمَتْ الْبُسْر وَالتَّمْر"قَالَ فَلَمَّا اِخْتَلَفَ الصَّحَابَة فِي ذَلِكَ وَوَجَدْنَا اِتِّفَاق الْأُمَّة عَلَى أَنَّ عَصِير الْعِنَب إِذَا اِشْتَدَّ وَغَلَى وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ فَهُوَ خَمْر وَأَنَّ مُسْتَحِلّه كَافِر دَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَعْمَلُوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة، إِذْ لَوْ عَمِلُوا بِهِ لَكَفَّرُوا مُسْتَحِلّ نَبِيذ التَّمْر، فَثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُل فِي الْخَمْر غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ عَصِير الْعِنَب ا ه. وَلَا يَلْزَم مِنْ كَوْنهمْ لَمْ يُكَفِّرُوا مُسْتَحِلّ نَبِيذ التَّمْر أَنْ يَمْنَعُوا تَسْمِيَته خَمْرًا فَقَدْ يَشْتَرِك الشَّيْئَانِ فِي التَّسْمِيَة وَيَفْتَرِقَانِ فِي بَعْض الْأَوْصَاف، مَعَ أَنَّهُ هُوَ يُوَافِق عَلَى أَنَّ حُكْم الْمُسْكِر مِنْ نَبِيذ التَّمْر حُكْم قَلِيل الْعِنَب فِي التَّحْرِيم، فَلَمْ تَبْقَ الْمُشَاحَحَة إِلَّا فِي التَّسْمِيَة. وَالْجَمْع بَيْن حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَغَيْره بِحَمْلِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة عَلَى الْغَالِب؛ أَيْ أَكْثَر مَا يُتَّخَذ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر، وَيُحْمَل حَدِيث عُمَر وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى إِرَادَة اِسْتِيعَاب ذِكْر مَا عُهِدَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ يُتَّخَذ مِنْهُ الْخَمْر، وَأَمَّا قَوْل اِبْنِ عُمَر فَعَلَى إِرَادَة تَثْبِيت أَنَّ الْخَمْر يُطْلَق عَلَى مَا لَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب، لِأَنَّ نُزُول تَحْرِيم الْخَمْر لَمْ يُصَادِف عِنْد مَنْ خُوطِبَ بِالتَّحْرِيمِ حِينَئِذٍ إِلَّا مَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْر الْعِنَب أَوْ عَلَى إِرَادَة الْمُبَالَغَة، فَأَطْلَقَ نَفْي وُجُودهَا بِالْمَدِينَةِ وَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَة فِيهَا بِقِلَّةٍ، فَإِنَّ تِلْكَ الْقِلَّة بِالنِّسْبَةِ لِكَثْرَةِ الْمُتَّخَذ مِمَّا عَدَاهَا كَالْعَدَمِ. وَقَدْ قَالَ الرَّاغِب فِي"مُفْرَدَات الْقُرْآن"سُمِّيَ الْخَمْر لِكَوْنِهِ خَامِرًا لِلْعَقْلِ أَيْ سَاتِرًا لَهُ، وَهُوَ عِنْد بَعْض النَّاس اِسْم لِكُلِّ مُسْكِر وَعِنْد بَعْضهمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب خَاصَّة، وَعِنْد بَعْضهمْ لِلْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب وَالتَّمْر، وَعِنْد بَعْضهمْ لِغَيْرِ الْمَطْبُوخ، فَرُجِّحَ أَنَّ كُلّ شَيْء يَسْتُر الْعَقْل يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَة، وَكَذَا قَالَ أَبُو نَصْرِ بْن الْقُشَيْرِيِّ فِي تَفْسِيره: سُمِّيَتْ الْخَمْر خَمْرًا لِسَتْرِهَا الْعَقْل أَوْ لِاخْتِمَارِهَا. وَكَذَا قَالَ غَيْر وَاحِد مِنْ أَهْل اللُّغَة مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَة الدِّينَوَرِيّ وَأَبُو نَصْر الْجَوْهَرِيّ، وَنُقِلَ عَنْ اِبْنِ الْأَعْرَابِيّ قَالَ: سُمِّيَتْ الْخَمْر لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى اِخْتَمَرَتْ، وَاخْتِمَارهَا تَغَيُّر رَائِحَتهَا. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِمُخَامَرَتِهَا الْعَقْل. نَعَمْ جَزَمَ اِبْن سِيدَهْ فِي"الْمُحْكَم"بِأَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة إِنَّمَا هِيَ لِلْعِنَبِ، وَغَيْرهَا مِنْ الْمُسْكِرَات يُسَمَّى خَمْرًا مَجَازًا. وَقَالَ صَاحِبِ"الْفَائِق"فِي حَدِيث"إِيَّاكُمْ وَالْغُبَيْرَاء فَإِنَّهَا خَمْر الْعَالَم"هِيَ نَبِيذ الْحَبَشَة مُتَّخَذَة مِنْ الذُّرَة سُمِّيَتْ الْغُبَيْرَاء لِمَا فِيهَا مِنْ الْغَبَرَة. وَقَوْله:"خَمْر الْعَالَم"أَيْ هِيَ مِثْل خَمْر الْعَالَم لَا فَرْق بَيْنهَا وَبَيْنهَا. قُلْت: وَلَيْسَ تَأْوِيله هَذَا بِأَوْلَى مِنْ تَأْوِيل مَنْ قَالَ: أَرَادَ أَنَّهَا مُعْظَم خَمْر الْعَالَم، وَقَالَ صَاحِبِ"الْهِدَايَة"مِنْ الْحَنَفِيَّة الْخَمْر عِنْدنَا مَا اِعْتَصَرَ مِنْ مَاءِ الْعِنَب إِذَا اِشْتَدَّ، وَهُوَ الْمَعْرُوف عِنْد أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْعِلْم، قَالَ: وَقِيلَ: هُوَ اِسْم لِكُلِّ مُسْكِر لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"كُلّ مُسْكِر خَمْر"وَقَوْله:"الْخَمْر مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ"وَلِأَنَّهُ مِنْ مُخَامَرَة الْعَقْل وَذَلِكَ مَوْجُود فِي كُلّ مُسْكِر، قَالَ: وَلَنَا إِطْبَاق أَهْل اللُّغَة عَلَى تَخْصِيص الْخَمْر بِالْعِنَبِ، وَلِهَذَا اُشْتُهِرَ اِسْتِعْمَالهَا فِيهِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيم الْخَمْر قَطْعِيّ وَتَحْرِيم مَا عَدَا الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب ظَنِّيّ، قَالَ: وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْخَمْر خَمْرًا لِتَخَمُّرِهِ لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْل، قَالَ: وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ كَوْن الِاسْم خَاصًّا فِيهِ، كَمَا فِي النَّجْم فَإِنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ الظُّهُور ثُمَّ هُوَ خَاصّ بِالثُّرَيَّا ا ه. وَالْجَوَاب عَنْ الْحُجَّة الْأُولَى ثُبُوت النَّقْل عَنْ بَعْض أَهْل اللُّغَة بِأَنَّ غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب يُسَمَّى خَمْرًا. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: زَعَمَ قَوْم أَنَّ الْعَرَب لَا تَعْرِف الْخَمْر إِلَّا مِنْ الْعِنَب، فَيُقَال لَهُمْ: إِنَّ الصَّحَابَة الَّذِينَ سَمَّوْا غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب خَمْرًا، عَرَب فُصَحَاء، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الِاسْم صَحِيحًا لِمَا أَطْلَقُوهُ. وَقَالَ اِبْنِ عَبْد الْبَرّ: قَالَ الْكُوفِيُّونَ إِنَّ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب لِقَوْلِهِ تَعَالَى: (أَعْصِرُ خَمْرًا) قَالَ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْخَمْر هُوَ مَا يُعْتَصَر لَا مَا يُنْتَبَذ، قَالَ: وَلَا دَلِيل فِيهِ عَلَى الْحَصْر. وَقَالَ أَهْل الْمَدِينَة وَسَائِر الْحِجَازِيِّينَ وَأَهْل الْحَدِيث كُلّهمْ: كُلّ مُسْكِر خَمْر وَحُكْمه حُكْم مَا اُتُّخِذَ مِنْ الْعِنَب، وَمِنْ الْحُجَّة لَهُمْ أَنَّ الْقُرْآن لَمَّا نَزَلَ بِتَحْرِيمِ الْخَمْر فَهِمَ الصَّحَابَة وَهُمْ أَهْل اللِّسَان أَنَّ كُلّ شَيْء يُسَمَّى خَمْرًا يَدْخُل فِي النَّهْي فَأَرَاقُوا الْمُتَّخَذ مِنْ التَّمْر وَالرُّطَب وَلَمْ يَخُصُّوا ذَلِكَ بِالْمُتَّخَذِ مِنْ الْعِنَب. وَعَلَى تَقْدِير التَّسْلِيم فَإِذَا ثَبَتَ تَسْمِيَة كُلّ مُسْكِر خَمْرًا مِنْ الشَّرْع كَانَ حَقِيقَة شَرْعِيَّة وَهِيَ مُقَدَّمَة عَلَى الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة. وَعَنْ الثَّانِيَة مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اِخْتِلَاف مُشْتَرِكَيْنِ فِي الْحُكْم فِي الْغِلَظ لَا يَلْزَم مِنْهُ اِفْتِرَاقهمَا فِي التَّسْمِيَة، كَالزِّنَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يَصْدُق عَلَى مَنْ وَطِئَ أَجْنَبِيَّة وَعَلَى مَنْ وَطِئَ اِمْرَأَة جَارِهِ، وَالثَّانِي أَغْلَظ مِنْ الْأَوَّل، وَعَلَى مَنْ وَطِئَ مَحْرَمًا لَهُ وَهُوَ أَغْلَظ، وَاسْمِ الزِّنَا مَعَ ذَلِكَ شَامِل لِلثَّلَاثَةِ، وَأَيْضًا فَالْأَحْكَام الْفَرْعِيَّة لَا يُشْتَرَط فِيهَا الْأَدِلَّة الْقَطْعِيَّة، فَلَا يَلْزَم مِنْ الْقَطْع بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب، وَعَدَم الْقَطْع بِتَحْرِيمِ الْمُتَّخَذ مِنْ غَيْره، أَنْ لَا يَكُون حَرَامًا بَلْ يُحْكَم بِتَحْرِيمِهِ إِذَا ثَبَتَ بِطَرِيقٍ ظَنِّيّ تَحْرِيمه، وَكَذَا تَسْمِيَته خَمْرًا وَاَللَّه أَعْلَم. وَعَنْ الثَّالِثَة ثُبُوت النَّقْل عَنْ أَعْلَم النَّاس بِلِسَانِ الْعَرَب بِمَا نَفَاهُ هُوَ، وَكَيْف يَسْتَجِيز أَنْ يَقُول لَا لِمُخَامَرَةِ الْعَقْل مَعَ قَوْل عُمَر بِمَحْضَرِ الصَّحَابَة"الْخَمْر مَا خَامَرَ الْعَقْل"كَأَنَّ مُسْتَنَده مَا اِدَّعَاهُ مِنْ اِتِّفَاق أَهْل اللُّغَة فَيُحْمَل قَوْل عُمَر عَلَى الْمَجَاز، لَكِنْ اِخْتَلَفَ قَوْل أَهْل اللُّغَة فِي سَبَب تَسْمِيَة الْخَمْر خَمْرًا. فَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْأَنْبَارِيّ: سُمِّيَتْ الْخَمْر خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَامِر الْعَقْل أَيْ تُخَالِطهُ، قَالَ: وَمِنْهُ قَوْلهمْ خَامَرَهُ الدَّاء أَيْ خَالَطَهُ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُخَمِّر الْعَقْل أَيْ تَسْتُرهُ، وَمِنْهُ الْحَدِيث الْآتِي قَرِيبًا"خَمِّرُوا آنِيَتكُمْ"وَمِنْهُ خِمَار الْمَرْأَة لِأَنَّهُ يَسْتُر وَجْههَا، وَهَذَا أَخَصّ مِنْ التَّفْسِير الْأَوَّل لِأَنَّهُ لَا يَلْزَم مِنْ الْمُخَالَطَة التَّغْطِيَة. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُخَمَّر حَتَّى تُدْرِك كَمَا يُقَال خَمَّرْت الْعَجِين فَتَخَمَّرَ أَيْ تَرَكْته حَتَّى أَدْرَكَ، وَمِنْهُ خَمَّرْت الرَّأْي أَيْ تَرَكْته حَتَّى ظَهَرَ وَتَحَرَّرَ، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ خَمْرًا لِأَنَّهَا تُغَطَّى حَتَّى تَغْلِي، وَمِنْهُ حَدِيث الْمُخْتَار بْن فُلْفُل"قُلْت لِأَنَسٍ: الْخَمْر مِنْ الْعِنَب أَوْ مِنْ غَيْرهَا؟ قَالَ: مَا خَمَّرْت مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ الْخَمْر"أَخْرَجَهُ اِبْن أَبِي شَيْبَة بِسَنَدٍ صَحِيح، وَلَا مَانِع مِنْ صِحَّة هَذِهِ الْأَقْوَال كُلّهَا لِثُبُوتِهَا عَنْ أَهْل اللُّغَة وَأَهْل الْمَعْرِفَة بِاللِّسَانِ. قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ: الْأَوْجُه كُلّهَا مَوْجُودَة فِي الْخَمْرَة لِأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ وَسَكَنَتْ، فَإِذَا شُرِبَتْ خَالَطَتْ الْعَقْل حَتَّى تَغْلِب عَلَيْهِ وَتُغَطِّيه. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: الْأَحَادِيث الْوَارِدَة عَنْ أَنَس وَغَيْره - عَلَى صِحَّتهَا وَكَثْرَتهَا - تُبْطِل مَذْهَب الْكُوفِيِّينَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْخَمْر لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ الْعِنَب وَمَا كَانَ مِنْ غَيْره لَا يُسَمَّى خَمْرًا وَلَا يَتَنَاوَلهُ اِسْم الْخَمْر، وَهُوَ قَوْل مُخَالِف لِلُغَةِ الْعَرَب وَلِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَة وَلِلصَّحَابَةِ، لِأَنَّهُمْ لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيم الْخَمْر فَهِمُوا مِنْ الْأَمْر بِاجْتِنَابِ الْخَمْر تَحْرِيم كُلّ مُسْكِر، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْن مَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب وَبَيْن مَا يُتَّخَذ مِنْ غَيْره، بَلْ سَوَّوْا بَيْنهمَا وَحَرَّمُوا كُلّ مَا يُسْكِر نَوْعه وَلَمْ يَتَوَقَّفُوا وَلَا اِسْتَفْصَلُوا، وَلَمْ يُشْكِل عَلَيْهِمْ شَيْء مِنْ ذَلِكَ بَلْ بَادَرُوا إِلَى إِتْلَاف مَا كَانَ مِنْ غَيْر عَصِير الْعِنَب، وَهُمْ أَهْل اللِّسَان وَبِلُغَتِهِمْ نَزَلَ الْقُرْآن، فَلَوْ كَانَ عِنْدهمْ فِيهِ تَرَدُّد لَتَوَقَّفُوا عَنْ الْإِرَاقَة حَتَّى يَسْتَكْشِفُوا وَيَسْتَفْصِلُوا وَيَتَحَقَّقُوا التَّحْرِيم لِمَا كَانَ تَقَرَّرَ عِنْدهمْ مِنْ النَّهْي عَنْ إِضَاعَة الْمَال، فَلَمَّا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ وَبَادَرُوا إِلَى الْإِتْلَاف عَلِمْنَا أَنَّهُمْ فَهِمُوا التَّحْرِيم نَصًّا، فَصَارَ الْقَائِل بِالتَّفْرِيقِ سَالِكًا غَيْر سَبِيلهمْ، ثُمَّ اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ خُطْبَة عُمَر بِمَا يُوَافِق ذَلِكَ، وَهُوَ مِمَّنْ جَعَلَ اللَّه الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبه، وَسَمِعَهُ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ فَلَمْ يُنْقَل عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ إِنْكَار ذَلِكَ. وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ كُلّ ذَلِكَ يُسَمَّى خَمْرًا لَزِمَ تَحْرِيم قَلِيله وَكَثِيره. وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة فِي ذَلِكَ. ثُمَّ ذَكَرَهَا قَالَ: وَأَمَّا الْأَحَادِيث عَنْ الصَّحَابَة الَّتِي تَمَسَّك بِهَا الْمُخَالِف فَلَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْء عَلَى مَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك وَأَحْمَد وَغَيْرهمْ، وَعَلَى تَقْدِير ثُبُوت شَيْء مِنْهَا فَهُوَ مَحْمُول عَلَى نَقِيع الزَّبِيب أَوْ التَّمْر مِنْ قَبْل أَنْ يَدْخُل حَدُّ الْإِسْكَار جَمْعًا بَيْن الْأَحَادِيث. قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ ثُبُوت مِثْل ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ نَقِيع التَّمْر، وَلَا فَرْق فِي الْحِلّ بَيْنه وَبَيْن عَصِير الْعِنَب أَوَّلَ مَا يُعْصَر، وَإِنَّمَا الْخِلَاف فِيمَا اِشْتَدَّ مِنْهُمَا هَلْ يَفْتَرِق الْحُكْم فِيهِ أَوْ لَا؟ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْض الشَّافِعِيَّة إِلَى مُوَافَقَة الْكُوفِيِّينَ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ اِسْم الْخَمْر خَاصّ بِمَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب مَعَ مُخَالَفَتهمْ لَهُ فِي تَفْرِقَتهمْ فِي الْحُكْم وَقَوْلهمْ بِتَحْرِيمِ قَلِيل مَا أَسْكَرَ كَثِيره مِنْ كُلّ شَرَاب، فَقَالَ الرَّافِعِيّ: ذَهَبَ أَكْثَر الشَّافِعِيَّة إِلَى أَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِيمَا يُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب مَجَاز فِي غَيْره، وَخَالَفَهُ اِبْن الرِّفْعَة فَنَقَلَ عَنْ الْمُزَنِيِّ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَة وَأَكْثَرِ الْأَصْحَاب أَنَّ الْجَمِيع يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَة. قَالَ: وَمِمَّنْ نَقَلَهُ عَنْ أَكْثَرِ الْأَصْحَاب الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّب وَالرُّويَانِيّ، وَأَشَارَ اِبْن الرِّفْعَة إِلَى أَنَّ النَّقْل الَّذِي عَزَاهُ الرَّافِعِيّ لِلْأَكْثَرِ لَمْ يَجِد نَقْله عَنْ الْأَكْثَر إِلَّا فِي كَلَامِ الرَّافِعِيّ، وَلَمْ يَتَعَقَّبهُ النَّوَوِيّ فِي"الرَّوْضَة"، لَكِنَّ كَلَامه فِي"شَرْح مُسْلِم"يُوَافِقهُ وَفِي"تَهْذِيب الْأَسْمَاء"يُخَالِفهُ، وَقَدْ نَقَلَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ الشَّافِعِيّ مَا يُوَافِق مَا نَقَلُوا عَنْ الْمُزَنِيِّ فَقَالَ: قَالَ إِنَّ الْخَمْر مِنْ الْعِنَب وَمِنْ غَيْر الْعِنَب عُمَر وَعَلِيّ وَسَعِيد وَابْن عُمَر وَأَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَة وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، وَمِنْ التَّابِعِينَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَعُرْوَة وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَآخَرُونَ، وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَابْن الْمُبَارَك وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَعَامَّة أَهْل الْحَدِيث، وَيُمْكِن الْجَمْع بِأَنَّ مَنْ أَطْلَقَ عَلَى غَيْر الْمُتَّخَذ مِنْ الْعِنَب حَقِيقَة يَكُونُ أَرَادَ الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة، وَمَنْ نَفَى أَرَادَ الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة. وَقَدْ أَجَابَ بِهَذَا اِبْن عَبْد الْبَرّ وَقَالَ: إِنَّ الْحُكْم إِنَّمَا يَتَعَلَّق بِالِاسْمِ الشَّرْعِيّ دُون اللُّغَوِيّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ قَدَّمْت فِي"بَابِ نُزُول تَحْرِيم الْخَمْر، وَهُوَ مِنْ الْبُسْر"إِلْزَام مَنْ قَالَ بِقَوْلِ أَهْل الْكُوفَة إِنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِي مَاءِ الْعِنَب مَجَاز فِي غَيْره أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ أَنْ يُجَوِّزُوا إِطْلَاق اللَّفْظ الْوَاحِد عَلَى حَقِيقَته وَمَجَازه، لِأَنَّ الصَّحَابَة لَمَّا بَلَغَهُمْ تَحْرِيم الْخَمْر أَرَاقُوا كُلّ مَا كَانَ يُطْلَق عَلَيْهِ لَفْظ الْخَمْر حَقِيقَة وَمَجَازًا، وَإِذَا لَمْ يُجَوِّزُوا ذَلِكَ صَحَّ أَنَّ الْكُلّ خَمْر حَقِيقَة وَلَا اِنْفِكَاك عَنْ ذَلِكَ، وَعَلَى تَقْدِير إِرْخَاء الْعَنَانِ وَالتَّسْلِيم أَنَّ الْخَمْر حَقِيقَة فِي مَاءِ الْعِنَب خَاصَّة فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَة اللُّغَوِيَّة، فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَة الشَّرْعِيَّة فَالْكُلّ خَمْر حَقِيقَة لِحَدِيثِ"كُلّ مُسْكِر خَمْر"فَكُلّ مَا اِشْتَدَّ كَانَ خَمْرًا، وَكُلّ خَمْر يَحْرُم قَلِيله وَكَثِيره، وَهَذَا يُخَالِف قَوْلهمْ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق.