فهرس الكتاب

الصفحة 388 من 463

وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا مَا كَانُوا يَشْرَبُونَهُ فِي الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شَرَابٌ إلَّا الْفَضِيخُ (1) لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ خَمْرِ الْأَعْنَابِ شَيْءٌ (2) .

وَقَدْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَفَاضِلِ الْأُمَّةِ عِلْمًا وَعَمَلًا مِنْ الْكُوفِيِّينَ يَعْتَقِدُونَ أَنْ لَا خَمْرَ إلَّا مِنْ الْعِنَبِ،وَأَنَّ مَا سِوَى الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ لَا يَحْرُمُ مِنْ نَبِيذِهِ إلَّا مِقْدَارُ مَا يُسْكِرُ وَيَشْرَبُونَ مَا يَعْتَقِدُونَ حِلَّهُ (3)

(1) - صحيح البخارى برقم (5582) َ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - قَالَ كُنْتُ أَسْقِى أَبَا عُبَيْدَةَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ مِنْ فَضِيخِ زَهْوٍ وَتَمْرٍ فَجَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ قُمْ يَا أَنَسُ فَأَهْرِقْهَا. فَأَهْرَقْتُهَا.= الفضيخ: شراب يتخذ من البسر

وفي صحيح البخارى برقم (5583) عن مُعْتَمِرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ كُنْتُ قَائِمًا عَلَى الْحَىِّ أَسْقِيهِمْ - عُمُومَتِى وَأَنَا أَصْغَرُهُمُ - الْفَضِيخَ، فَقِيلَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ. فَقَالُوا أَكْفِئْهَا. فَكَفَأْتُهَا. قُلْتُ لأَنَسٍ مَا شَرَابُهُمْ قَالَ رُطَبٌ وَبُسْرٌ. فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَنَسٍ وَكَانَتْ خَمْرَهُمْ. فَلَمْ يُنْكِرْ أَنَسٌ.

(2) - صحيح البخارى برقم (5580) عَنْ أَنَسٍ قَالَ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ - يَعْنِى بِالْمَدِينَةِ - خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلاَّ قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ.

(3) - وفي المحلى لابن حزم - (ج 3 / ص 412)

1099 - مَسْأَلَةٌ: كُلُّ شَيْءٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ فَالنُّقْطَةُ مِنْهُ فَمَا فَوْقَهَا إلَى أَكْثَرِ الْمَقَادِيرِ: خَمْرٌ حَرَامٌ: مِلْكُهُ , وَبَيْعُهُ , وَشُرْبُهُ , وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى أَحَدٍ وَعَصِيرُ الْعِنَبِ , وَنَبِيذُ التِّينِ , وَشَرَابُ الْقَمْحِ , وَالسَّيْكَرَانِ , وَعَصِيرُ كُلِّ مَا سِوَاهَا وَنَقِيعُهُ , وَشَرَابُهُ طُبِخَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ ذَهَبَ أَكْثَرُهُ أَوْ أَقَلُّهُ سَوَاءٌ فِي كُلِّ مَا ذَكَرْنَا، وَلاَ فَرْقَ.

وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ , وَالشَّافِعِيِّ , وَأَحْمَدَ , وَأَبِي سُلَيْمَانَ وَغَيْرِهِمْ وَفِي هَذَا اخْتِلاَفٌ قَدِيمٌ وَحَدِيثٌ بَعْدَ صِحَّةِ الإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ الْخَمْرِ قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا: فَرُوِّينَا، عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: شَرَابُ الْبُسْرِ وَحْدَهُ خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الرُّطَبُ , وَالْبُسْرُ إذَا خُلِطَا , فَشَرَابُهُمَا خَمْرٌ مُحَرَّمَةٌ ,

وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَالْبُسْرُ إذَا خُلِطَا.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ , وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ إذَا أَسْكَرَ , وَلَمْ يُطْبَخَا: هِيَ الْخَمْرُ الْمُحَرَّمَةُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا , وَكُلُّ] مَا عَدَا ذَلِكَ حَلاَلٌ مَا لَمْ يُسْكَرْ مِنْهُ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لاَ خَمْرَ إِلاَّ عَصِيرُ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ مَا لَمْ يُطْبَخْ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ فَهُوَ حَرَامٌ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ , فَإِذَا طُبِخَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ خَمْرًا بَلْ هُوَ حَلاَلٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ.

وَأَمَّا كُلُّ شَرَابٍ مَا عَدَا عَصِيرَ الْعِنَبِ الْمَذْكُورَ فَهُوَ حَلاَلٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ كَنَقِيعِ الزَّبِيبِ وَغَيْرِهِ طُبِخَ كُلُّ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ إِلاَّ أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ.

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كُلُّ مَا عُصِرَ مِنْ الْعِنَبِ , وَنَبِيذِ الزَّبِيبِ , وَنَبِيذِ التَّمْرِ , وَالرُّطَبِ , وَالْبُسْرِ , وَالزَّهْوِ , فَلَمْ يُطْبَخْ , فَكُلُّ خَمْرٍ مُحَرَّمَةٌ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا , فَإِنْ طُبِخَ عَصِيرُ الْعِنَبِ حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَطُبِخَ سَائِرُ مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ حَلاَلٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ , إِلاَّ أَنَّ السُّكْرَ مِنْهُ حَرَامٌ. وَكُلُّ نَبِيذٍ وَعَصِيرٍ مَا سِوَى مَا ذَكَرْنَا فَحَلاَلٌ أَسْكَرَ أَوْ لَمْ يُسْكِرْ طُبِخَ أَوْ لَمْ يُطْبَخْ وَالسُّكْرُ أَيْضًا مِنْهُ لَيْسَ حَرَامًا.

فأما مَنْ رَأَى شَرَابَ الْبُسْرِ وَحْدَهُ خَمْرًا: فَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ] أَنَا حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْبُسْرُ وَحْدَهُ حَرَامٌ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَوَارِيرِيُّ هُوَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، هُوَ ابْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ هُوَ السِّخْتِيَانِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَبِيذُ الْبُسْرِ بَحْتًا لاَ يَحِلُّ

وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَانِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ.

وَرُوِيَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَجْلِدُ فِيهِ كَمَا يَجْلِدُ فِي الْخَمْرِ وَمَا نَعْلَمُ لِهَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً أَصْلًا , بَلْ قَدْ صَحَّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إبْطَالُهُ:

كَمَا رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ الْعَبْدِيِّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ شَرِبَهُ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُ فَرْدًا , تَمْرًا فَرْدًا , أَوْ بُسْرًا فَرْدًا , أَوْ زَبِيبًا فَرْدًا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ قَالَ: سَمِعْت جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْبُسْرُ , وَالرُّطَبُ: خَمْرٌ يَعْنِي إذَا جُمِعَا.

وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا سُوَيْد بْنُ نَصْرٍ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ , وَشُعْبَةَ , كِلَيْهِمَا، عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: الْبُسْرُ , وَالتَّمْرُ: خَمْرٌ وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْلِ هُوَ صِحَّةُ نَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنْ خَلْطِ الْبُسْرِ مَعَ التَّمْرِ , أَوْ مَعَ الرُّطَبِ.

قال أبو محمد رحمه الله: وَلاَ حُجَّةَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخَبَرِ , لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ نَهَى، عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ غَيْرِ هَذِهِ الأَنْوَاعِ , فَلاَ مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ خَاصَّةً بِالتَّحْرِيمِ دُونَ سَائِرِ مَا نَهَى عليه السلام عَنْهُ.

رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى، عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ , وَالزَّبِيبِ , وَالْبُسْرِ , وَالرُّطَبِ.

وَمِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا , وَأَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا. وَنَهَى أَيْضًا عليه السلام، عَنْ أَنْ يُجْمَعَ غَيْرُ هَذِهِ كَمَا نَذْكُرُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَوَجْهٌ آخَرُ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مُحَرَّمٍ خَمْرًا , الدَّمُ حَرَامٌ , وَلَيْسَ خَمْرًا , وَلَبَنُ الْخِنْزِيرِ حَرَامٌ وَلَيْسَ خَمْرًا , وَالْبَوْلُ حَرَامٌ وَلَيْسَ خَمْرًا , فَهَذَانِ اللَّذَانِ نَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ جَمْعِهِمَا حَرَامٌ وَلَيْسَتْ خَمْرًا إِلاَّ أَنْ تُسْكِرَ , وَلاَ مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهِمَا إذَا جُمِعَا خَمْرًا.

فإن قيل: فَقَدْ صَحَّ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ هُوَ الْخَمْرُ فَمَا قَوْلُكُمْ فِيهِ قلنا: قَدْ صَحَّ بِالنَّصِّ وَالإِجْمَاعِ الْمُتَيَقَّنِ إبَاحَةُ التَّمْرِ وَإِبَاحَةُ الزَّبِيبِ , وَإِبَاحَةُ نَبِيذِهِمَا غَيْرَ مَخْلُوطَيْنِ , كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُنْسَخْ قَطُّ.

فَصَحَّ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ عَلَى ظَاهِرِهِ , فَإِذْ لاَ شَكَّ فِي هَذَا فَإِنَّمَا يَكُونُ خَمْرًا إذَا جَاءَ نَصٌّ مُبَيِّنٌ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ إذَا أَسْكَرَ نَبِيذُهُمَا كَمَا بَيَّنَ عليه السلام فِي خَبَرٍ نَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى إنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ فَسَقَطَ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا. وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: مِنْ تَخْصِيصِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَنَبِيذِ الزَّبِيبِ بِالتَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُطْبَخَا دُونَ سَائِرِ الأَنْبِذَةِ وَالْعَصِيرِ فَقَوْلٌ صَحَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الأَشْهَرُ عَنْهُ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَعْتَمِدُ مُقَلِّدُوهُ عَلَيْهِ , وَلاَ يَشْتَغِلُونَ بِنَصْرِهِ , وَلاَ نَعْلَمُ لَهُ أَيْضًا حُجَّةً أَصْلًا , لاَ مِنْ قُرْآنٍ , وَلاَ مِنْ سُنَّةٍ , وَلاَ رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ , وَلاَ دَلِيلِ إجْمَاعٍ , وَلاَ قَوْلِ صَاحِبٍ , وَلاَ رَأْيٍ , وَلاَ قِيَاسٍ فَسَقَطَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: مِنْ تَخْصِيصِ عَصِيرِ الْعِنَبِ بِالتَّحْرِيمِ مَا لَمْ يُطْبَخْ , فَهُوَ قَوْلٌ اخْتَارَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيَّ.

وَاحْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ بِأَخْبَارٍ أُضِيفَتْ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَخْبَارٍ، عَنِ الصَّحَابَةِ , وَدَعْوَى إجْمَاعٍ

فأما الأَخْبَارُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكُلُّهَا لاَ خَيْرَ فِيهَا عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ثُمَّ لَوْ صَحَّتْ لَمَا كَانَ شَيْءٌ مِنْهَا مُوَافِقًا لِهَذَا الْقَوْلِ ; فَلاَحَ أَنَّ إيرَادَهُمْ لَهَا تَمْوِيهٌ مَحْضٌ

وَكَذَلِكَ الآثَارُ، عَنِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم , إِلاَّ أَنَّ مِنْهَا مَا لاَ يَصِحُّ، وَلاَ يُوَافِقُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ فَإِيرَادُهُمْ لَهَا تَمْوِيهٌ.

وَمِنْهَا شَيْءٌ يَصِحُّ وَيَظُنُّ مَنْ لاَ يُنْعِمُ النَّظَرَ أَنَّهُ يُوَافِقُ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ عَلَى مَا نُورِدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلاَ حُجَّةَ فِي قَوْلِ صَاحِبٍ قَدْ خَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْهُمْ.

وَأَمَّا دَعْوَى الإِجْمَاعِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: قَدْ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِ عَصِيرِ الْعِنَبِ إذَا أَسْكَرَ , وَاخْتُلِفَ فِيمَا عَدَاهُ فَلاَ يَحْرُمُ شَيْءٌ بِاخْتِلاَفٍ.

قال أبو محمد رحمه الله:

وَهَذَا قَوْلٌ فِي غَايَةِ الْفَسَادِ لأََنَّهُ يُبْطِلُ عَلَيْهِمْ جُمْهُورَ أَقْوَالِهِمْ , وَيَلْزَمُهُمْ أَنْ لاَ يُوجِبُوا زَكَاةً إِلاَّ حَيْثُ أَوْجَبَهَا إجْمَاعٌ , وَلاَ فَرِيضَةَ حَجٍّ أَوْ صَلاَةٍ إِلاَّ حَيْثُ صَحَّ الإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِهَا , وَأَنْ لاَ يُثْبِتُوا الرِّبَا إِلاَّ حَيْثُ أَجْمَعَتْ الأُُمَّةُ عَلَى أَنَّهُ رِبًا وَمَنْ الْتَزَمَ هَذَا الْمَذْهَبَ خَرَجَ، عَنْ دِينِ الإِسْلاَمِ بِلاَ شَكٍّ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مَذْهَبٌ مُفْتَرًى لَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ قَطُّ، وَلاَ رَسُولُهُ عليه السلام ; وَإِنَّمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاتِّبَاعِ الْقُرْآنِ , وَسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأُولِي الأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الإِجْمَاعِ , وَلَمْ يَأْمُرْ تَعَالَى قَطُّ بِأَنْ لاَ يُتَّبَعَ إِلاَّ الإِجْمَاعُ , وَلاَ قَالَ تَعَالَى قَطُّ , وَلاَ رَسُولُهُ عليه السلام: لاَ تَأْخُذُوا مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ إِلاَّ مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ

وَمَنْ ادَّعَى هَذَا فَقَدْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَتَى بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ وَبِالضَّلاَلِ الْمُبِينِ. إنَّمَا قَالَ تَعَالَى اتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ، وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ

وَقَالَ تَعَالَى وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا.

وَقَالَ تَعَالَى فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَمْ يَقُلْ تَعَالَى فَرُدُّوهُ إلَى الإِجْمَاعِ , فَمَنْ رَدَّ مَا تُنُوزِعَ فِيهِ إلَى الإِجْمَاعِ لاَ إلَى نَصِّ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ عليه السلام , وَشَرَعَ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى.

وَأَمَّا نَحْنُ فَنَتَّبِعُ الإِجْمَاعَ فِيمَا صَحَّ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، وَلاَ نُخَالِفُهُ أَصْلًا , وَنَرُدُّ مَا تُنُوزِعَ فِيهِ إلَى الْقُرْآنِ , وَالسُّنَّةِ , فَنَأْخُذُ مَا فِيهِمَا وَإِنْ لَمْ يُجْمَعْ عَلَى الأَخْذِ بِهِ وَبِهَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ أَجْمَعَ أَهْلُ الإِسْلاَمِ وَمَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ قَطُّ: لاَ أَلْتَزِمُ فِي شَيْءٍ مِنْ الدِّينِ إِلاَّ مَا أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ; فَقَدْ صَارُوا بِهَذَا الأَصْلِ مُخَالِفِينَ لِلإِجْمَاعِ بِلاَ شَكٍّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ مَذْهَبٌ يَقْتَضِي أَنْ لاَ يُلْتَفَتَ لِلْقُرْآنِ وَالسُّنَنِ إذَا وُجِدَ الأَخْتِلاَفُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْكَامِهِمَا , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ دِينِ الإِسْلاَمِ فِي شَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ فِي أَكْثَرِ الأَمْرِ كَذِبٌ عَلَى الأُُمَّةِ وَقَوْلٌ بِلاَ عِلْمٍ.

وَأَيْضًا فَإِنَّهُمْ لاَ يَلْتَزِمُونَ هَذَا الأَصْلَ الْفَاسِدَ إِلاَّ فِي مَسَائِلَ قَلِيلَةٍ جِدًّا وَهُوَ مُبْطِلٌ لِسَائِرِ مَذَاهِبِهِمْ كُلِّهَا فَعَادَ عَلَيْهِمْ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. ثم ذكر سائر الأخبار ونقدها نقدا مطولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت