فهرس الكتاب
،وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ بَيْعَهَا مُحَرَّمٌ وَلَمْ يَمْنَعْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِلْمُهُ بِعَدَمِ عِلْمِهِ أَنْ يُبَيِّنَ جَزَاءَ هَذَا الذَّنْبِ؛ لِيَتَنَاهَى هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْهُ بَعْدَ بُلُوغِ الْعِلْمِ بِهِ. وَقَدْ لَعَنَ الْعَاصِرَ وَالْمُعْتَصِرَ؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يُجَوِّزُونَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْصِرَ لِغَيْرِهِ عِنَبًا وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ مِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَتَّخِذَهُ خَمْرًا (1)
(1) - وفي الموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 3329)
«ب - بيع العصير لمن يتّخذه خمرًا»
106 -المراد بالعصير: عصير العنب، أي معصوره المستخرج منه.
وقد ذهب الفقهاء مذاهب مختلفة في الحكم التّكليفيّ في هذه الجزئيّة.
فذهب المالكيّة والحنابلة إلى حرمة هذا البيع، وهو الأصحّ والمعتمد عند الشّافعيّة إن كان يعلم أو يظنّ أيلولته إلى الخمر، فإن شكّ كره.
ونحوه قول للصّاحبين - أشار الحصكفيّ لتضعيفه - بأنّه مكروه، والكراهة إن أطلقت عند الحنفيّة للتّحريم.
وعبارة المالكيّة: وحرّم على المكلّف بيع العنب لمن يعلم أنّه يعصره خمرًا.
وقد استدلّوا بقوله تعالى: «ولا تَعَاونوا على الإِثمِ والعُدوانِ» قال ابن قدامة: وهذا نهي يقتضي التّحريم.
واستدلّوا كذلك بحديث «لعنت الخمر على عشرة أوجه: بعينها، وعاصرها، ومعتصرها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، والمحمولة إليه، وآكل ثمنها، وشاربها، وساقيها» .
ووجه الاستدلال كما يقول عميرة البرلّسيّ: أنّه يدلّ على تحريم التّسبّب إلى الحرام.
ولما روي عن ابن سيرين، أنّ قيّمًا كان لسعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه في أرض له، فأخبره عن عنب أنّه لا يصلح زبيبًا، ولا يصلح أن يباع إلاّ لمن يعصره، فأمره بقلعه، وقال: بئس الشّيخ أنا إن بعت الخمر.
ولأنّه يعقد البيع على عصر لمن يعلم أنّه يريده للمعصية، فأشبه إجارة الرّجل أمته لمن يعلم أنّه يستأجرها ليزني بها.
والقول الآخر للشّافعيّة: أنّه مكروه.
والبيع صحيح على القولين.
وذهب أبو حنيفة إلى أنّ هذا البيع جائز، وحكاه ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثّوريّ، ونقل عن هذا قوله: «بع الحلال ممّن شئت» واستدلّوا بقوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللّه البيعَ» وقد تمّ بأركانه وشروطه.
ولأنّ المعصية لا تقوم بعينه، بل بعد تغيّره بشربه، وهو فعل فاعل مختار، وليس الشّرب من ضرورات الحمل، لأنّ الشّرب قد يوجد بدون الحمل، وليس الحمل من ضرورات الشّرب، لأنّ الحمل قد يوجد للإراقة والتّخليل بالصّبّ في الخلّ، فليست المعصية من لوازم الحمل، وصار كالاستئجار لعصر العنب، وهذا قياس وقولهما استحسان كما قال الكرلانيّ.
لكن يبدو أنّ المذهب - مع ذلك - أنّه مكروه تنزيهًا، وأنّه خلاف الأولى، فقد قال صاحب الهداية: ولا بأس ببيع العصير ممّن يعلم أنّه يتّخذه خمرًا وكلمة لا بأس لكراهة التّنزيه، فتركه أولى.
وقول أبي حنيفة هذا، هو المذهب عند الحنفيّة، وهو الّذي عليه المتون.
«اشتراط علم البائع بقصد المشتري اتّخاذ العصير للخمر»
107 -اشترط الجمهور للمنع من هذا البيع: أن يعلم البائع بقصد المشتري اتّخاذ الخمر من العصير، فلو لم يعلم لم يكره بلا خلاف، كما ذكره القهستانيّ من الحنفيّة، وهو صريح كلام المرغينانيّ الآنف الذّكر.
وكذلك قال ابن قدامة: إنّما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك: إمّا بقوله، وإمّا بقرائن مختصّة به تدلّ على ذلك.
أمّا الشّافعيّة فاكتفوا بظنّ البائع أنّ المشتري يعصر خمرًا أو مسكرًا، واختاره ابن تيميّة.
108 -أمّا إذا لم يعلم البائع بحال المشتري، أو كان المشتري ممّن يعمل الخلّ والخمر معًا، أو كان البائع يشكّ في حاله، أو يتوهّم: - فمذهب الجمهور الجواز، كما هو نصّ الحنفيّة والحنابلة.
-ومذهب الشّافعيّة أنّ البيع في حال الشّكّ أو التّوهّم مكروه.
«حكم بيع العصير لذمّيّ يتّخذه خمرًا»
109 -إنّ مقتضى العموم والإطلاق في منع بيع العصير ممّن يتّخذه خمرًا، وكذا ما علّلته الشّروح - كما يقول ابن عابدين - أنّه لا فرق بين المسلم والكافر في بيع العصير منهما، وأنّ من ذهب من الفقهاء إلى أنّ الكفّار غير مخاطبين بفروع الشّريعة، يرون جواز بيع العصير من الكافر.
والأصحّ أنّهم مخاطبون ولا فرق، وصرّح بذلك الحنابلة أيضًا.
والشّافعيّة صرّحوا بذلك، وقالوا بحرمة البيع للعاصر ولو كان كافرًا، لحرمة ذلك عليه، وإن كنّا لا نتعرّض له بشرطه، أي عدم إظهاره.
«الحكم في بيع العصير وشموله لغيره»
110 -عمّم جمهور الفقهاء الحكم في بيع العصير ممّن يتّخذه خمرًا، ولم يقصروه على العصير، بل عدّوه إلى العنب نفسه وإلى الرّطب والزّبيب، فهي مثل العصير في التّحريم، كلّما قصد بها اتّخاذ الخمر والمسكر.
فقال الشّافعيّة: وبيع نحو رطب، كعنب، لمتّخذه مسكرًا.
وقال الحنابلة: ولا يصحّ بيع ما قصد به الحرام، كعنب وكعصير لمتّخذهما خمرًا، وكذا زبيب ونحوه.
وقال المالكيّة: وكذا يمنع بيع كلّ شيء، علم أنّ المشتري قصد به أمرًا لا يجوز.
وتردّد الحنفيّة في المسألة
-فذهب صاحب المحيط منهم إلى: أنّ بيع العنب والكرم ممّن يتّخذه خمرًا لا يكره.
-ونقل القهستانيّ عن بعضهم: أنّ بيع العنب هو أيضًا على الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه.
فعنده لا بأس به، وهو مكروه تنزيهًا.
وعندهما يمنع، وهو مكروه تحريمًا.
«حكم بيع العصير لمتّخذه خمرًا، من حيث الصّحّة والبطلان»
111 -ذهب الحنفيّة والشّافعيّة، والحنابلة في وجه: إلى صحّة هذا البيع.
وعلّله الشّافعيّة بأنّ النّهي - المستفاد من حديث لعن العاصر وإن كان يقتضي الكراهة أو التّحريم، لأنّ البيع سبب لمعصية متحقّقة أو متوهّمة - لا يقتضي البطلان هنا، لأنّه راجع إلى معنًى خارج عن ذات المنهيّ عنه وعن لازمها، لكنّه مقترن به، نظير البيع بعد نداء الجمعة، فإنّه ليس لذاته لا لازمها، بل هو لخشية تفويتها.
وذهب المالكيّة إلى: أنّه يجبر المشتري على إخراجه من ملكه، من غير فسخ للبيع.
أمّا الحنابلة فنصّوا على: أنّه إذا ثبت التّحريم، بأن علم البائع قصد المشتري الخمر بشراء العنب، بأيّ وجه حصل العلم، فالبيع باطل، وذلك لأنّه عَقَدَ على عينٍ لمعصية اللّه تعالى بها فلم يصحّ، ولأنّ التّحريم هنا لحقِّ اللّه تعالى فأفسد العقد، كبيع درهم بدرهمين.
«بيع ما يقصد به فعل محرّم»
112 -ذهب الجمهور إلى أنّ كلّ ما يقصد به الحرام، وكلّ تصرّف يفضي إلى معصية فهو محرّم، فيمتنع بيع كلّ شيء علم أنّ المشتري قصد به أمرًا لا يجوز.
113 -فمن أمثلته عند المالكيّة: بيع الأمة لأهل الفساد، والأرض لتتّخذ كنيسةً أو خمّارةً، وبيع الخشب لمن يتّخذه صليبًا، والنّحاس لمن يتّخذه ناقوسًا.
قال الدّسوقيّ: وكذا يمنع أن يباع للحربيّين آلة الحرب، من سلاح أو كراع أو سرج، وكلّ ما يتقوّون به في الحرب، من نحاس أو خباء أو ماعون.
وأمّا بيع الطّعام لهم، فقال ابن يونس عن ابن حبيب: يجوز في الهدنة، وأمّا في غير الهدنة فلا يجوز.
والّذي في المعيار عن الشّاطبيّ: أنّ المذهب المنع مطلقًا، وهو الّذي عزاه ابن فرحون في التّبصرة، وابن جزيّ في القوانين لابن القاسم.
وذكر في المعيار أيضًا عن الشّاطبيّ: أنّ بيع الشّمع لهم ممنوع، إذا كانوا يستعينون به على إضرار المسلمين، فإن كان لأعيادهم فمكروه.
114 -ومن أمثلته عند الشّافعيّة: بيع مخدّر لمن يظنّ أنّه يتعاطاه على وجه محرّم، وخشب لمن يتّخذه آلة لهو، وثوب حرير لرجل يلبسه بلا نحو ضرورة.
وكذا بيع سلاح لنحو باغ وقاطع طريق، وديك لمن يهارش به، وكبش لمن يناطح به، ودابّة لمن يحمّلها فوق طاقتها.
كما نصّ الشّروانيّ وابن قاسم العبّاديّ على منع بيع مسلم كافرًا طعامًا، علم أو ظنّ أنّه يأكله نهارًا في رمضان، كما أفتى به الرّمليّ، قال: لأنّ ذلك إعانة على المعصية، بناءً على أنّ الرّاجح أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة.
115 -ومن أمثلته عند الحنابلة: بيع السّلاح لأهل الحرب، أو لقطّاع الطّريق، أو في الفتنة، أو إجارة داره لبيع الخمر فيها، أو لتتّخذ كنيسةً، أو بيت نار وأشباه ذلك، فهذا حرام.
قال ابن عقيل: وقد نصّ أحمد رحمه الله تعالى - على مسائل نبّه بها على ذلك، فقال في القصّاب والخبّاز: إذا علم أنّ من يشتري منه، يدعو عليه من يشرب المسكر، لا يبيعه، ومن يخترط «يصنع» الأقداح لا يبيعها ممّن يشرب فيها «أي الخمر» ونهى عن بيع الدّيباج «أي الحرير» للرّجال.
116 -ذهب أبو حنيفة إلى أنّه: لا يكره بيع ما لم تقم المعصية به، كبيع الكبش النّطوح، والحمامة الطّيّارة، والخشب ممّن يتّخذ منه المعازف.
بخلاف بيع السّلاح من أهل الفتنة، لأنّ المعصية تقوم بعينه، وهي الإعانة على الإثم والعدوان، وإنّه منهيّ عنه.
بخلاف بيع ما يتّخذ منه السّلاح كالحديد، لأنّه ليس معدًّا للقتال، فلا يتحقّق معنى الإعانة.
وذهب الصّاحبان من الحنفيّة، إلى أنّه لا ينبغي للمسلم أن يفعل ذلك، لأنّه إعانة على المعصية، فهو مكروه عندهما، خلافًا للإمام، وليس بحرام، خلافًا لما ذهب إليه الجمهور.
وبحث الحنفيّة نظير هذه المسألة في الإجارة، كما سبق عند الحنابلة، كما لو آجر شخص نفسه ليعمل في بناء كنيسة، أو ليحمل خمر الذّمّيّ بنفسه أو على دابّته، أو ليرعى له الخنازير، أو آجر بيتًا ليتّخذ بيت نار، أو كنيسةً أو بيعةً، أو يباع فيه الخمر، جاز له ذلك عند أبي حنيفة، لأنّه لا معصية في عين العمل، وإنّما المعصية بفعل المستأجر، وهو فعل فاعل مختار كشربه الخمر وبيعها، ففي هذا يقول المرغينانيّ: إنّ الإجارة ترد على منفعة البيت «ونحوه» ولهذا تجب الأجرة بمجرّد التّسليم، ولا معصية فيه، وإنّما المعصية بفعل المستأجر، وهو مختار فيه، فقطع نسبته عنه.
ويرى الصّاحبان كراهة ذلك، لما فيه من الإعانة على المعصية.
وطرح بعض الحنفيّة هذا الضّابط: وهو أنّ ما قامت المعصية بعينه، يكره بيعه تحريمًا «كبيع السّلاح من أهل الفتنة» وما لم تقم بعينه يكره تنزيهًا.