فهرس الكتاب
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الَّذِى يَشْرَبُ فِى آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِى بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ» (1) . وَمِنْ الْفُقَهَاءِ مَنْ يَكْرَهُهُ (2) كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ (3)
(1) - صحيح مسلم يرقم (5506) .يجرجر: يحدر فيه
(2) - هذه فيها خلاف بين العلماء: من العلماء من يقول: إن اتخاذ آنية الذهب والفضة حرام سواء استعملت أو لم تستعمل، سواء استعملت في الأكل أو الشرب أم في غيرهما. ولكن الصحيح: إنما يحرم استعمالها في الأكل والشرب فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الأكل والشرب، والنهي تخصيص؛ لعموم قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة:29] فإذا كان كل ما في الأرض فهو لنا ننتفع به حيث لا نهي فيه فإنه يدخل في ذلك اتخاذه للزينة أو استعمالها مثلًا في غير الأكل والشرب، كما أذن استعمالها في حفظ بعض الأدوية وحفظ الدراهم وما أشبه ذلك، هذا هو الصحيح، وإذا كان الرسول إنما نهى عن الأكل والشرب فسكوته عن بقية الانتفاع يدل على الجواز. هذا هو الذي يترجح عندي والمسألة فيها خلاف بين العلماء.
وانظر فتاوى الأزهر - (ج 10 / ص 228) ولقاءات الباب المفتوح - (ج 150 / ص 15) وفتاوى الإسلام سؤال وجواب - (ج 1 / ص 2667) والموسوعة الفقهية1 - 45 كاملة - (ج 2 / ص 11648) ومجموع رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية - (ج 31 / ص 16) و وفي لقاءات الباب المفتوح - (ج 150 / ص 15) حكم اتخاذ آنية الذهب والفضة للزينة
(3) - وفي تحفة الأحوذي - (ج 5 / ص 95)
أَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ"، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ:"إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ"كَذَا فِي الْمِشْكَاةِ أَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ الْحَدِيثَ وَفِيهِ: وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ وَعَنْ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ إِلَخْ. وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِنَحْوِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ. وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، ذَكَرَ حَدِيثَيْهِمَا الْمُنْذِرِيُّ فِي كِتَابِهِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ، أَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ رَجُلًا كَانَ أَوْ اِمْرَأَةً، وَلَا يَلْتَحِقُ ذَلِكَ بِالْحُلِيِّ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ التَّزَيُّنِ الَّذِي أُبِيحَ لَهَا فِي شَيْءٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ اِسْتِعْمَالِ أَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِثْلُ التَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِعْمَالَاتِ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ، كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي.
قُلْت: وَقَدْ أَجَازَ الْأَمِيرُ الْيَمَانِيُ وَالْقَاضِي الشَّوْكَانِيُّ اِسْتِعْمَالَ الْأَوَانِي مِنْ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَالتَّطَيُّبِ وَالتَّكَحُّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ الْأَمِيرُ فِي السُّبُلِ: الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَصِحَافِهِمَا سَوَاءٌ أَكَانَ الْإِنَاءُ خَالِصًا ذَهَبًا أَوْ مَخْلُوطًا بِالْفِضَّةِ إِذْ هُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ أَنَّهُ إِنَاءُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، قَالَ: وَهَذَا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيمَا ذُكِرَ لَا خِلَافَ فِيهِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمَا فَفِيهَا الْخِلَافُ مِنْ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ، قِيلَ لَا تَحْرُمُ لِأَنَّ النَّصَّ لَمْ يَرِدْ إِلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقِيلَ تَحْرُمُ سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتُ إِجْمَاعًا، وَنَازَعَ فِي الْأَخِيرِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَقَالَ النَّصُّ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا غَيْرُ وَإِلْحَاقُ سَائِرِ الِاسْتِعْمَالَاتِ بِهِمَا قِيَاسًا لَا يَتِمُّ فِيهِ شَرَائِطُ الْقِيَاسِ، وَالْحَقُّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَائِلُ بِعَدَمِ تَحْرِيمِ غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِيهِمَا إِذْ هُوَ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ وَدَعْوَى الْإِجْمَاعِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ اِنْتَهَى كَلَامُ صَاحِبِ السُّبُلِ مُخْتَصَرًا.
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَأَمَّا سَائِرُ الِاسْتِعْمَالَاتِ فَلَا وَالْقِيَاسُ عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ قِيَاسٌ مَعَ الْفَارِقِ، فَإِنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ عَنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ هِيَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ حَيْثُ يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ، وَذَلِكَ مَنَاطٌ مُعْتَبَرٌ لِلشَّارِعِ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ لَمَّا رَأَى رَجُلًا مُتَخَتِّمًا بِخَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ مَالِي أَرَى عَلَيْك حِلْيَةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ. أَخْرَجَهُ الثَّلَاثَةُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَكَذَلِكَ فِي الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ وَإِلَّا لَزِمَ تَحْرِيمُ التَّحَلِّي بِالْحُلِيِّ وَالِافْتِرَاشِ لِلْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ اِسْتِعْمَالٌ وَقَدْ جَوَّزَهُ الْبَعْضُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِتَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَصْلَ الْحِلُّ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ إِلَّا بِدَلِيلٍ يُسَلِّمُهُ الْخَصْمُ، وَلَا دَلِيلَ فِي الْمَقَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَالْوُقُوفُ عَلَى ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُعْتَضِدِ بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ هُوَ وَظِيفَةُ الْمُنْصِفِ الَّذِي لَمْ يُخْبَطْ بِسَوْطِ هَيْبَةِ الْجُمْهُورِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَيَّدَ هَذَا الْأَصْلَ حَدِيثُ:"وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا"، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا سَلَفَ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ جَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّه فَخَضْخَضَتْ الْحَدِيثَ اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ بِاخْتِصَارٍ.
قُلْت: أَثَرُ أُمِّ سَلَمَةَ فِي اِسْتِعْمَالِهَا الْجُلْجُلَ مِنْ الْفِضَّةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوهِبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَجَاءَتْ بِجُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ فِيهِ شَعْرٌ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا أَصَابَ الْإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا بِإِنَاءٍ فَخَضْخَضَتْ لَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، فَاضْطَلَعْت فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْت شَعَرَاتٍ حُمْرًا. قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُمَوَّهًا بِفِضَّةٍ لَا أَنَّهُ كَانَ كُلُّهُ فِضَّةً. قَالَ الْحَافِظُ: وَهَذَا يُنْبِئُ عَلَى أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ لَا تُجِيزُ اِسْتِعْمَالَ آنِيَّةِ الْفِضَّةِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَمِنْ أَيْنَ لَهُ ذَلِكَ؟ فَقَدْ أَجَازَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَالْحَقُّ وَالْجَوَازُ إِلَّا فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمْ تَدُلَّ عَلَى غَيْرِهَا بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ اِنْتَهَى.