فهرس الكتاب
وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَفِيهِمْ مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ (1) ،وَقَدْ لَعَنَ بَائِعَ الْخَمْرِ (2) وَقَدْ بَاعَهَا بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ مِنَ الْخُيَلاَءِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (3)
(1) - صحيح البخارى برقم (2672) ومسلم برقم (310)
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - «ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِىَ بِهِ كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذَهَا»
(2) - سنن أبى داود برقم (3676) عَنْ أَبِى عَلْقَمَةَ مَوْلاَهُمْ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْغَافِقِىِّ أَنَّهُمَا سَمِعَا ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ وَشَارِبَهَا وَسَاقِيَهَا وَبَائِعَهَا وَمُبْتَاعَهَا وَعَاصِرَهَا وَمُعْتَصِرَهَا وَحَامِلَهَا وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» وهو صحيح.
(3) - صحيح مسلم برقم (5578) وصحيح البخارى برقم (3665)
شرح النووي على مسلم - (ج 7 / ص 168)
قَالَ الْعُلَمَاء: الْخُيَلَاء بِالْمَدِّ، وَالْمَخِيلَة، وَالْبَطَر، وَالْكِبْر، وَالزَّهْو، وَالتَّبَخْتُر، كُلّهَا بِمَعْنًى وَاحِد، وَهُوَ حَرَام. وَيُقَال: خَال الرَّجُل وَاخْتَالَ اِخْتِيَالًا إِذَا تَكَبَّرَ، وَهُوَ رَجُل خَال أَيْ مُتَكَبِّر، وَصَاحِب خَال أَيْ صَاحِب كِبْر، وَمَعْنَى لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِ أَيْ لَا يَرْحَمهُ، وَلَا يَنْظُر إِلَيْهِ نَظَر رَحْمَة. وَأَمَّا فِقْه الْأَحَادِيث فَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَاب الْإِيمَان وَاضِحًا بِفُرُوعِهِ، وَذِكْرنَا هُنَاكَ الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّ الْإِسْبَال يَكُون فِي الْإِزَار وَالْقَمِيص وَالْعِمَامَة، وَأَنَّهُ لَا يَجُوز إِسْبَاله تَحْت الْكَعْبَيْنِ إِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ، فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهَا فَهُوَ مَكْرُوه، وَظَوَاهِر الْأَحَادِيث فِي تَقْيِيدهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاء تَدُلّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيم مَخْصُوص بِالْخُيَلَاءِ، وَهَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيّ عَلَى الْفَرْق كَمَا ذَكَرْنَا، وَأَجْمَع الْعُلَمَاء عَلَى جَوَاز الْإِسْبَال لِلنِّسَاءِ، وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِذْن لَهُنَّ فِي إِرْخَاء ذُيُولهنَّ ذِرَاعًا. وَاللَّه أَعْلَم.
وَأَمَّا الْقَدْر الْمُحْتَسَب فِيمَا يَنْزِل إِلَيْهِ طَرَف الْقَمِيص وَالْإِزَار فَنِصْف السَّاقَيْنِ كَمَا فِي حَدِيث اِبْن عُمَر الْمَذْكُور، وَفِي حَدِيث أَبِي سَعِيد: (إِزَارَة الْمُؤْمِن إِلَى أَنْصَاف سَاقَيْهِ، لَا جُنَاح عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنه وَبَيْن الْكَعْبَيْنِ، مَا أَسْفَل مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّار) . فَالْمُسْتَحَبّ نِصْف السَّاقَيْنِ، وَالْجَائِز بِلَا كَرَاهَة مَا تَحْته إِلَى الْكَعْبَيْنِ، فَمَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوع. فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَهُوَ مَمْنُوع مَنْع تَحْرِيم، وَإِلَّا فَمَنْع تَنْزِيه. وَأَمَّا الْأَحَادِيث الْمُطْلَقَة بِأَنَّ مَا تَحْت الْكَعْبَيْنِ فِي النَّار فَالْمُرَاد بِهَا مَا كَانَ لِلْخُيَلَاءِ، لِأَنَّهُ مُطْلَق، فَوَجَبَ حَمْله عَلَى الْمُقَيَّد. وَاللَّه أَعْلَم. قَالَ الْقَاضِي: قَالَ الْعُلَمَاء: وَبِالْجُمْلَةِ يُكْرَه كُلّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَة وَالْمُعْتَاد فِي اللِّبَاس مِنْ الطُّول وَالسَّعَة. وَاللَّهُ أَعْلَم.
وفي شرح القواعد الفقهية: وليد بن راشد السعيدان - (ج 3 / ص 141)
ومنها: أحاديث جر الثوب، فإنها وردت مطلقة ومقيدة، فوردت مطلقة في قوله (:(( ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم المسبل إزاره ) )الحديث، وفي قوله: (( ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار ) )، وورد مقيدًا بالخيلاء في قوله (:(( من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة ) )وقال لأبي بكرٍ (( إنك لست ممن يجره خيلاء ) )وسببهما بيان حكم الإسبال، وحكمهما تحريم الإسبال، فهما إذًا متفقان في الحكم والسبب فيحمل المطلق على المقيد.
فنقول: لا يحرم الإسبال إلا إذا كان من باب الخيلاء والفخر، أما إذا كان لعذرٍ كعيبٍ في القدم ونحو ذلك، ولم يقصد صاحبه الخيلاء فإنه لا بأس به لأن الأحاديث المطلقة في تحريم الإسبال قيدت بالخيلاء فلا يعمل بها في غير المقيد، وإذا نظرت فإن الغالب من يجر ثوبه إنما يجره للزينة والفخر وهذا هو الخيلاء، ولذلك يكثر هذا في أرباب الأموال والمناصب نعوذ بالله من حالهم، فهذه غيض من فيض من أمثلة الحالة الثانية، وهي فيما إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب، وقلنا إذا اتفق المطلق والمقيد في الحكم والسبب فإن يبنى المطلق على المقيد ولعلها قد اتضحت إن شاء الله تعالى.