فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 112

[59] لكن بجهتين مختلفتين [1] ، فالفعل مقدور الله بجهة الايجاد، ومقدور العبد بجهة الكسب. وهذا القدر من المعنى ضرورى. وان لم نقدر على أزيد من ذلك، في تلخيص العبارة المفصحة، عن تحقيق كون فعل العبد بخلق الله تعالى، وايجاده، مع ما فيه للعبد من القدرة والاختيار.

ولهم في الفرق بينهما عبارات: مثل ان الكسب ما وقع بآلة، والخلق لا بآلة. والكسب مقدور وقع في محل قدرته، والخلق مقدور وقع لا في محل قدرته. والكسب لا يصح انفراد القادر به، والخلق يصح انفراده.

فان قيل: فقد أثبتم ما نسبتم الى المعتزلة من اثبات الشركة.

قلنا: الشركة أن يجتمع اثنان على شيء واحد، وينفرد كل منهما بما هو له دون الآخر، كشركاء القرية والمحلة. وكما اذا جعل العبد خالقا لأفعاله، والصانع خالقا لسائر الأعراض والأجسام، بخلاف ما اذا أضيف أمر الى شيئين [2] بجهتين مختلفتين كأرض تكون ملكا لله تعالى بجهة التخليق، وللعباد بجهة ثبوت التصرف، وكفعل العبد ينسب الى الله تعالى بجهة الخلق، والى العبد بجهة الكسب.

فان قيل: فكيف كان كسب القبيح قبيحا سفها، موجبا لاستحقاق الذم والعقاب [3] ، بخلاف خلقه. قلنا: لأنه قد ثبت أن الخالق حكيم لا يخلق شيئا، الا وله عاقبة حميدة، وان لم نطلع عليها، فجزمنا بأن ما نستقبحه من الأفعال قد يكون له فيها حكم ومصالح، كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة المؤلمة، بخلاف الكاسب، فانه قد يفعل الحسن، وقد يفعل القبيح، فجعلنا كسبه للقبيح، مع ورود النهى عنه، قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب.

(والحسن منها) أى من أفعال العباد. وهو ما يكون متعلق المدح في العاجل، والثواب في الآجل. والا لحسن أن يفسر بما لا يكون متعلقا للذم والعقاب، ليشمل المباح (برضاء الله تعالى) أى بإرادته من غير اعتراض (والقبيح منها) وهو ما يكون متعلق الذم في العاجل والعقاب في الآجل (ليس برضائه) لما عليه من

(1) مختلفتين: ط.

(2) اثنين: خ.

(3) والعقاب: ط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت