فهرس الكتاب
52 -فَتَقَصَّدَتْ مِنْهَا كَسَابِ فَضُرِّجَتْ بِدَمٍ وغُودِرَ في المَكَرِّ سُحَامُهَا
(تَقَصَّدَتْ) قيلَ: معناهُ: قَصَدَتْ، تَفَعَّلَتْ مِنهُ. وقيلَ: قَتَلَتْ، مِنْ قَوْلِهِم: رَمَاهُ فأَقْصَدَهُ؛ أيْ: قَتَلَهُ مكانَهُ. و (كَسابِ) : اسمُ كَلْبَةٍ في مَوْضِعِ نَصْبٍ في القوليْنِ جَميعًا، وهوَ مَبْنِيٌّ على الكسرِ. وإنَّما بُنِيَ؛ لأنَّ فيهِ ثَلاثَ عِلَلٍ، فوَجَبَ أنْ يُبْنَى؛ لأنَّ ما كانَتْ فيهِ عِلَّتَانِ مُنِعَ الصَّرْفَ، فإذا زَادَتْ عِلَّةٌ بُنِيَ. والعِلَلُ أنَّها: مُؤَنَّثَةٌ ومَعْرِفَةٌ ومَعْدُولَةٌ، هذا قَوْلُ أبي العبَّاسِ. وقالَ أبو إسحاقَ: إنَّما بُنِيَ هذا؛ لأنَّهُ في مَوْضِعِ فِعْلِ الأمرِ، ثُمَّ سُمِّيَ بهِ فبُنِيَ كما بُنِيَ الأمرُ. والاختيارُ ما قالَ سِيبَوَيْهِ أنَّ هذا يُجْرَى مُجْرَى ما لا يَنْصَرِفُ، وهوَ اختيارُ سِيبَوَيْهِ، فيكونُ (كَسَابَ) بفتحِ الباءِ. الروايَةُ على هذا. و (ضُرِّجَتْ) : لُطِّخَتْ بالدَّمِ. و (وغُودِرَ) : تُرِكَ. و (سُحَامٌ) : اسمُ كَلْبٍ. والهاءُ تَعودُ على الكلابِ.
53 -فَبِتِلْكَ إِذْ رَقَصَ اللَّوَامِعُ بِالضُّحَى واجْتَابَ أَرْدِيَةَ السَّرَابِ إِكَامُهَا
معناهُ: فَبِتِلْكَ الناقةِ أَقْضِي اللُّبَانَةَ. و (رَقَصَ) : اضْطَرَبَ. و (اللوامِعُ) : الأَرَضُونَ التي تَلْمَعُ بالسرابِ، الواحدةُ: لامِعَةٌ. وقيلَ: أرادَ بـ (اللوامِعِ) : لوامِعَ الآلِ، تَرَاهَا كأنَّها تَنْزُو. والآلُ يكونُ بالضُّحَى، وهوَ الذي يَرْفَعُ كلَّ شيءٍ. و (السَّرَابُ) يكونُ نِصْفَ النهارِ، وهوَ الذي يَلْزَقُ بالأرضِ. وقولُهُ: (بالضُّحَى) أرادَ: في الضُّحَى.
و (اجْتَابَ) : لَبِسَ، يُقالُ: جِبْتُ الثوبَ؛ إذا لَبِسْتَهُ. ومنهُ سُمِّيَ الجَيْبُ؛ لأنَّهُ منهُ يُلْبَسُ القَمِيصُ. وهذا الفعلُ مِنْ ذَوَاتِ الياءِ، مِنْ: جابَ يَجِيبُ. وأمَّا: جَابَ الأرضَ يَجُوبُها، إذا قَطَعَها ومَرَّ فيها، فمِنْ ذَوَاتِ الواوِ. و (الإِكَامُ) : الجبالُ الصغارُ. يَصِفُ أنَّ السَّرَابَ قدْ غَطَّى الإكامَ، فَكَأَنَّ الإكامَ قدْ لَبِسَتْهُ.
54 -أَقْضِي اللُّبَانَةَ لا أُفَرِّطُ رِيبَةً ... أَوْ أنْ يَلُومَ بحَاجَةٍ لَوَّامُهَا
(أَقْضِي) متعلِّقٌ بقولِهِ: (فَبِتِلْكَ) . وهذا يُسَمَّى التَّضْمِينَ. و (اللُّبَانَةُ) : الحاجَةُ. (لا أُفَرِّطُ) : لا أُقَصِّرُ؛ أيْ: أَمْضِي في الحاجةِ ولا أُقَصِّرُ فيها.
قالَ أبو الحَسَنِ: ويُرْوَى: (أَقْضِي اللُّبَانَةَ أنْ أُفَرِّطَ رِيبَةٌ) بنصبِ (رِيبَةٍ) ورَفْعِها. فمَنْ رَفَعَ جَعَلَهُ خبرَ الابتداءِ، والمعنى: تَفْرِيطِي رِيبَةٌ؛ أيْ: عَاقِبَةُ تَفْرِيطِي رِيبَةٌ. ومَنْ نَصَبَ فالمعنى: مَخَافَةَ أنْ أُفَرِّطَ، ثُمَّ حَذَفَ (مَخافةَ) ، هذا قولُ البصريِّينَ.
وقالَ الكُوفِيُّونَ: (لا) مُضْمَرَةٌ، والمعنى: لِئَلاَّ أُفَرِّطَ رِيبَةً، يُرِيدُ: أنِّي أَتَقَدَّمُ في قَضَاءِ حَاجَتِي؛ لِئَلاَّ أَشُكَّ وأقولَ إذا فَاتَنِي: لَيْتَنِي تَقَدَّمْتُ، أوْ يَلُومُنِي لائِمٌ على تَقْصِيرِي. و (لَوَّامٌ) على التكثيرِ، والمعنى: أَنِّي لا أَدَعُ رِيبَةً تَنْفُذُنِي حَتَّى أُحْكِمَهَا.
و (التفريطُ) : الإنفاذُ والتقديمُ. و (الرِّيبَةُ) : الشَّكُّ.