فهرس الكتاب
ومعنى هذا البيتِ والذي قبلَهُ: أنَّهُ وَصَفَ مُوَاصَلَتَهُ ومُصَارَمَتَهُ، وأنَّ هذهِ الناقةَ تُعِينُهُ على قَصْدِ مَنْ أَرادَ مُوَاصَلَتَهُ، وعلى تَرْكِ مَنْ أرادَ مُصَارَمَتَهُ. وهذا البيتُ يُوَضِّحُ المعنى الذي يَقْصِدُهُ:
55 -أَوَ لَمْ تَكُنْ تَدْرِي نَوَارُ بِأَنَّنِي وَصَّالُ عَقْدِ حَبَائِلٍ جَذَّامُهَا
(نَوَارُ) : اسمُ امرأةٍ مِنْ بَنِي جَعْفَرٍ. و (جَذَّامٌ) : قَطَّاعٌ؛ أيْ: أَصِلُ في مَوْضِعِ المواصلةِ مَنْ يَسْتَحِقُّها، وأَقْطَعُ مَنْ يَسْتَحِقُّ القَطيعةَ. والهاءُ في (جَذَّامُهَا) تعودُ على (الحَبَائِلِ) .
56 -تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لم أَرْضَهَا ... أو يَرْتَبِطْ بَعْضَ النفوسِ حِمَامُهَا
يقولُ: أَتْرُكُ الأمكنةَ إذا رَأَيْتُ فيها ما يُكْرَهُ، إلاَّ أنْ يُدْرِكَنِي الموتُ فيَحْبِسَنِي. ويُرْوَى: (أوْ يَعْتَقِي بعضَ النفوسِ) . وأرادَ بالنفوسِ: نفسَهُ. و (يَعْتَقِي) : يَحْتَبِسُ. و (الحِمَامُ) : الموتُ. ويُقَالُ: القَدَرُ. وقيلَ: إنَّ (يَرْتَبِطْ) في مَوْضِعِ رفعٍ، إلاَّ أنَّهُ أَسْكَنَهُ لأنَّهُ رَدَّ الفعلَ إلى أصلِهِ؛ لأنَّ أصلَ الأفعالِ ألاَّ تُعْرَبَ، وإنَّما أُعْرِبَتْ لِلمُضَارَعَةِ. وقيلَ: إنَّ (يَرْتَبِطْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ومعنى (أَوْ) معنى: (إلاَّ أَنْ) ؛ كَمَا قالَ:
فقُلْتُ لهُ: لا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا نُحَاوِلُ مُلْكًا أوْ نَمُوتَ فنُعْذَرَا
بمعنى: إلاَّ أنْ، غيرَ أنَّهُ أَسْكَنَ؛ لأنَّهُ رَدَّ الفعلَ أيضًا إلى أصلِهِ.
وأجوَدُ مِنْ هَذَيْنِ الوجهيْنِ أنْ يكونَ: (أوْ يَرْتَبِطْ) مجزومًا عطفًا على قولِهِ: (إذا لَمْ أَرْضَهَا) ؛ لأنَّ أبَا العبَّاسِ قالَ: لا يَجُوزُ للشاعرِ أنْ يُسَكِّنَ الفعلَ المستقبَلَ؛ لأنَّهُ قدْ وَجَبَ لهُ الإعرابُ؛ لِمُضارعتِهِ الأسماءَ، وصارَ الإعرابُ فيهِ يُفَرِّقُ بينَ المعاني؛ ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: لا تَأْكُلِ السمكَ وتَشْرَبَ اللبنَ، كانَ معناهُ خِلافَ معنى قولِكَ: وتَشْرَبِ اللبنَ؟ ولوْ جازَ أنْ يُسَكَّنَ الفعلُ المستقبَلُ لجازَ أنْ يُسَكَّنَ الاسمُ، ولوْ جازَ أنْ يُسَكَّنَ الاسمُ لَمَا تَبَيَّنَت المعانِي.
57 -بَلْ أَنْتِ لا تَدْرِينَ كَمْ مِنْ لَيْلَةٍ طَلْقٍ لَذِيذٍ لَهْوُهَا ونِدَامُهَا
(كَمْ) يَقَعُ في كلامِ العربِ للتكثيرِ. و (لَيْلَةٌ طَلْقٌ) وطَلْقَةٌ: إذا لم يَكُنْ فيها حَرٌّ يُؤْذِي ولا بَرْدٌ. وقولُهُ: (لَذِيذٌ لَهْوُهَا ونِدَامُهَا) ، أضافَ (اللَّهْوَ) إلى (الليلةِ) على المجازِ، وإنَّما اللَّهْوُ فِيهَا. و (النِّدَامُ) : المُنَادَمَةُ. و (لَهْوُها) رَفْعٌ بـ (لَذِيذٍ) .
58 -قدْ بِتُّ سَامِرَهَا، وغَايَةَِ تَاجِرٍ وَافَيْتُ إِذْ رُفِعَتْ وَعَزَّ مُدَامُهَا
(سَامِرَهَا) : مِن السَّمَرِ، وهوَ حديثُ الليلِ. قالَ أبو إِسحاقَ: ويُقالُ لِظِلِّ القَمَرِ: السَّمَرُ، والذينَ يَتَحَدَّثُونَ فيهِ: السُّمَّارُ. و (التاجِرُ) : الخَمَّارُ، و (غَايَتُهُ) : رَايَتُهُ التي يَنْصِبُها لِيُعْرَفَ مَوْضِعُهُ. و (غايَةِ تَاجِرٍ) جَرُّها منْ وَجْهَيْنِ: