الصفحة 109 من 214

70 -وكَثِيرةٍ غُرَبَاؤُهَا مَجْهُولَةٍ تُرْجَى نَوَافِلُهَا ويُخْشَى ذَامُهَا

في معنَى قَوْلِهِ: (وكثيرةٍ غُرَبَاؤُهَا) اختلافٌ. قيلَ: معناهُ: وخُطَّةٍ كثيرةٍ غُرَبَاؤُها، ثمَّ أقامَ الصفةَ مُقَامَ الموصوفِ، والواوُ بَدَلٌ مِنْ (رُبَّ) . والمعنى على هذا: رُبَّ خُطَّةٍ قدْ جُهِلَ القَضَاءُ فيها، وجُهِلَتْ جِهَاتُها. وقيلَ: المعنى: وَحَرْبٍ كثيرةٍ غُرَبَاؤُها؛ لأنَّ الحربَ مُؤَنَّثَةٌ، وإنْ كانَت العربُ تقولُ في تَصْغِيرِها: حُرَيْبٌ، بغيرِ هاءٍ؛ لأنَّهُ في الأصلِ مَصْدَرٌ مِنْ قولِكَ: حَرَبْتُهُ حَرْبًا.

فالمعنى على هذا: رُبَّ حَرْبٍ كثيرةٍ غُرَباؤُهَا. وجَعَلَها كثيرةَ الغُرَبَاءِ؛ لِمَا يَحْضُرُها منْ ألوانِ الناسِ وغيرِهِم، وجَعَلَها مجهولةً؛ لأنَّ العالِمَ والجاهِلَ يَجْهَلانِ عَاقِبَتَها. ثمَّ قالَ: (تُرْجَى نَوَافِلُهَا) ، يعني: الغَنِيمَةَ والظَّفَرَ. (ويُخْشَى ذَامُهَا) ؛ أيْ: عَيْبُها.

وقيلَ: المعنى: وجماعةٍ كَثِيرَةٍ غُرَبَاؤُها.

وقيلَ: إنَّما يُرِيدُ قُبَّةَ النُّعْمَانِ، وجَعَلَهَا كثيرةَ الغُرَبَاءِ؛ لاجتماعِ الناسِ عِنْدَها، وجَعَلَها مجهولةً؛ لأنَّ بَعْضَهم لا يَعْرِفُ بَعْضًا إلاَّ بالسؤالِ. وقيلَ: يُرِيدُ: وأرضٍ كثيرةٍ غُرَبَاؤُها؛ أيْ: أرضٍ يَضِلُّ بها مَنْ يَسْلُكُها إذا جَهِلَ طُرُقَهَا.

وإنَّما وقَعَ الاختلافُ في المعنَى؛ لأنَّهُ أقامَ الصفةَ مُقَامَ الموصوفِ، فاحْتَمَلَ هذهِ المعانِيَ. إلاَّ أنَّ الأَشْبَهَ بما يُرِيدُ الجماعةُ؛ لأنَّ بعدَ هذا البيتِ: (أَنْكَرْتُ بَاطِلَها وبُؤْتُ بِحَقِّها) . وإقامةُ الصفةِ مُقَامَ الموصوفِ في مثلِ هذا قَبيحٌ؛ لِمَا يَقَعُ فيهِ من الإشكالِ؛ ألا تَرَى أنَّكَ لوْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بجالِسٍ، كانَ قَبِيحًا، ولوْ قُلْتَ: بظَرِيفٍ، كانَ حَسَنًا؟ و (غُرَبَاؤُها) مرفوعٌ بـ (كَثِيرةٍ) ؛ أيْ: كَثُرَتْ غُرَبَاؤُها.

71 -غُلْبٍ تَشَذَّرُ بِالذُّحُولِ كَأَنَّهَا جِنُّ البَدِيِّ رَوَاسِيًا أَقْدَامُهَا

(الغُلْبُ) : الغِلاظُ الأعناقِ. (تَشَذَّرُ) ؛ أيْ: يُوعِدُ بعضُهم بعضًا. وقيلَ: التَشَذُّرُ: رَفْعُ اليَدِ وَوَضْعُها؛ أيْ: أنَّهُم كَانُوا يَفْعَلُونَ ذلكَ إذا تَفَاخَرُوا وتَثَالَبُوا. وتَشَذَّرَتِ الناقةُ: إذا شَالَتْ بِذَنَبِها. و (الذُّحُولُ) : جَمْعُ ذَحْلٍ، وهوَ الحِقْدُ. و (الْبَدِيُّ) : البادِيَةُ. وقيلَ: البَدِيُّ: مَوْضِعٌ. و (الرَّواسِي) : الثوابِتُ. و (رَوَاسِيًا) منصوبٌ على الحالِ، وصَرْفُهُ للضرورةِ. و (أَقْدَامُها) رَفْعٌ بـ (رَوَاسٍ) . وقالَ ابنُ الأنباريِّ: البَدِيُّ وَادٍ لبَنِي عامِرٍ. ويُرْوَى: (غُلْبٍ تَشَازَرُ) . وتَشَازُرُهُم: نَظَرُ بعضِهم إلى بعضٍ بِمَآخِيرِ أَعْيُنِهِم.

72 -أَنْكَرْتُ بَاطِلَهَا وبُؤْتُ بِحَقِّهَا يَوْمًا ولمْ يَفْخَرْ عَلَيَّ كِرَامُهَا

ويُرْوَى: (وبُؤْتُ بِحَقِّها * عِنْدِي) ، ومعناهُ: (انْصَرَفْتُ بِهِ) . جاءَ في الحديثِ: (( بَاءَ طَلْحَةُ بِالْجَنَّةِ ) )؛ أي: انْصَرَفَ بها. وقيلَ: بُؤْتُ: اعْتَرَفْتُ. وهذا البيتُ مُتَعَلِّقٌ بقولِهِ: (وكَثِيرَةٍ غُرَبَاؤُها) . والمعنى: وكثيرةٍ غُرَبَاؤُها أَنْكَرْتُ بَاطِلَها؛ أيْ: رَدَدْتُهُ. وبُؤْتُ بِحَقِّها؛ أي: احْتَمَلْتُهُ ولَزِمْتُهُ. (ولم يَفْخَرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت