فهرس الكتاب
شَطَّتْ مَزَارَ الْعَاشِقِينَ فَأَصْبَحَتْ ... عَسِرًا عَلَيَّ طِلابُهَا ابْنَةُ مَخْرَمِ
و (الزَّائِرُونَ) : الأعداءُ، كأنَّهُم يَزْأَرُونَ كَمَا يَزْأَرُ الأسدُ. وَ (عَسِرًا) منصوبٌ على أنَّهُ خَبَرُ (أَصْبَحَ) ، و (طِلابُها) مرفوعٌ بهِ، واسمُ (أَصْبَحَ) مُضْمَرٌ فيهِ. ويَجُوزُ أنْ يكونَ (عَسِرٌ) رَفْعًا على أنَّهُ خَبَرُ الابتداءِ، ويُضْمَرُ في (أَصْبَحَ) ، ويكونُ المعنى: فأَصْبَحَتْ طِلابُها عَسِرٌ عَلَيَّ. ونَصَبَ (ابْنَةَ مَخْرَمِ) على أنَّهُ نِدَاءٌ مضافٌ. ويَجُوزُ الرَّفْعُ في (ابْنَةُ) على مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، ويكونُ المعنى: فأَصْبَحَت ابْنَةُ مَخْرَمٍ طِلابُها عَسِرٌ عَلَيَّ، كما تَقُولُ: كانَتْ هِنْدٌ أَبُوهَا مُنْطَلِقٌ. ومعنى (شَطَّتْ) على روايَةِ أبي عُبَيْدَةَ؛ أيْ: جَاوَزَتْ، ويُقالُ: شَطَّت الدارُ تَشِطُّ وتَشُطُّ، إذا تَبَاعَدَتْ. والمعنى: شَطَّتْ عَبْلَةُ مَزَارَ العَاشِقِينَ؛ أيْ: بَعُدَتْ مِنْ مَزَارِهِم.
فإن قيلَ: كيفَ قالَ: (حَلَّتْ بِأَرْضِ الزَّائِرِينَ) فذَكَرَ غائبةً، ثمَّ قالَ: (طِلابُكِ) فخَاطَبَ؟ قيلَ لهُ: العربُ تَرْجِعُ مِن الغَيْبَةِ إلى الخِطَابِ؛ كقولِهِ تعالى: {وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً} . ومِن الخِطَابِ إلى الغَيْبَةِ؛ كقولِهِ تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ} . و (مَخْرَمٌ) : اسمُ رَجُلٍ. وقيلَ: اسمُهُ مَخْرَمَةُ، ثمَّ رَخَّمَ في غيرِ النداءِ.
7 -عُلِّقْتُهَا عَرَضًا وأَقْتُلُ قَوْمَهَا زَعْمًا لَعَمْرُ أَبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ
(عُلِّقْتُهَا) ؛ أيْ: أَحْبَبْتُهَا. وبفلانٍ عَلَقٌ وعَلاقَةٌ مِنْ فُلانةٍ. وقولُهُ: (عَرَضًا) معناهُ: كانَتْ عَرَضًا من الأعراضِ، اعْتَرَضَنِي مِنْ غيرِ أنْ أَطْلُبَهُ. ونَصَبَ (عَرَضًا) على البَيَانِ.
وفي قَوْلِهِ: (زَعْمًا) قولانِ: أَحَدُهما: أَنِّي أُحِبُّها وأَقْتُلُ قَوْمَها، فَكَأَنَّ حُبَّها زَعْمٌ مِنِّي. والقولُ الآخَرُ: أنَّ أَبَا عَمْرٍو الشَّيْبَانِيَّ قالَ: يُقَالُ: زَعِمَ يَزْعَمُ زَعْمًا؛ إذا طَمِعَ. فَيَكُونُ على هذا (الزَّعْمُ) اسْمًا يعني الزَّعِمَ.
وقالَ ابنُ الأَنْبَارِيِّ: معناهُ: عُلِّقْتُها وأَنَا أَقْتُلُ قَوْمَهَا، فَكَيْفَ أُحِبُّها وأنا أَقْتُلُهم؟ أيْ: كيفَ أَقْتُلُهم وأنا أُحِبُّها، ثمَّ رَجَعَ مُخَاطِبًا لِنَفْسِهِ فقالَ: (زَعْمًا لَعَمْرُ أَبِيكَ لَيْسَ بِمَزْعَمِ) ؛ أيْ: هذا فِعْلٌ ليسَ بِفِعْلِ مِثْلِي. والزَّعْمُ: الكلامُ، ويقالُ: أَمْرٌ فيهِ مَزَاعِمُ؛ أيْ: فيهِ مُنَازَعَةٌ. قالَ: و (العَرَضُ) منصوبٌ على المصدرِ. و (الزَّعْمُ) كذلكَ أيضًا.
8 -وَلَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ ... مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحِبِّ الْمُكْرَمِ
الباءُ في قَوْلِهِ: (بِمَنْزِلَةِ) متعلِّقَةٌ بمصدرٍ محذوفٍ؛ لأنَّهُ لَمَّا قالَ: (نَزَلْتِ) دَلَّ على النزولِ. وقالَ أبو العبَّاسِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} : إنَّ الباءَ مُتَعَلِّقَةٌ بالمصدرِ؛ لأنَّهُ لَمَّا قالَ: (وَمَنْ يُرِدْ) دَلَّ على الإرادةِ. وقولُهُ: (بمَنْزِلَةِ) في موضعِ نصبٍ.