فهرس الكتاب
والمعنى: ولقدْ نَزَلْتِ مِنِّي منزلةً مِثْلَ مَنْزِلَةِ المُحِبِّ. وقولُهُ: (فلا تَظُنِّي غَيْرَهُ) ؛ أيْ: لا تَظُنِّي غيرَ ما أَنَا عليهِ مِنْ مَحَبَّتِكِ. و (الْمُحِبُّ) جاءَ على: أُحِبُّ وأَحْبَبْتُ، والكثيرُ في كلامِ العربِ: مَحْبُوبٌ.
9 -كَيْفَ الْمَزَارُ وَقَدْ تَرَبَّعَ أَهْلُهَا بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالْغَيْلَمِ
يُقالُ: (تَرَبَّعَ) القومُ: نَزَلُوا في الرَّبِيعِ. و (عُنَيْزَتَانِ والغَيْلَمُ) مَوْضِعَانِ. يقولُ: كيفَ أَزُورُها وقدْ بَعُدَتْ عَنِّي، بعدَ قُرْبِها وإِمْكَانِ زِيَارَتِها؟ و (المَزَارُ) مرفوعٌ بالابتداءِ على مذهَبِ سِيبَوَيْهِ، وبالاستقرارِ على مَذْهَبِ غَيْرِهِ.
10 -إِنْ كُنْتِ أَزْمَعْتِ الْفِرَاقَ فَإِنَّمَا ... زُمَّتْ رِكَابُكُمُ بِلَيْلٍ مُظْلِمِ
يقالُ: أَزْمَعْتُ، وأَجْمَعْتُ، فَأَنَا مُزْمِعٌ. و (الرِّكَابُ) لا يُسْتَعْمَلُ إلاَّ في الإِبِلِ خَاصَّةً. والرَّكْبُ: الجماعةُ الذينَ يَرْكَبُون الإبلَ. وقولُهُ: (زُمَّتْ رِكَابُكُم) ؛ أيْ: شُدَّتْ بِالأزِمَّةِ. والمعنى: أنَّ هذا الأمرَ أَحْكَمْتُمُوهُ بِلَيْلٍ، فكأنَّ أَجْمَالَكُم زُمَّتْ في ذلكَ الوقتِ. وإنَّما قَصَدَ الليلَ؛ لأنَّهُ وَقْتٌ تَصْفُو فيهِ الأَذْهَانُ، ولا يَشْتَغِلُ القلبُ بِمَعَاشٍ ولا غَيْرِهِ.
11 -ما رَاعَنِي إلاَّ حَمُولَةُ أَهْلِهَا وَسْطَ الدِّيَارِ تَسَفُّ حَبَّ الْخِمْخِمِ
(رَاعَنِي) الشيْءُ: إذا أَفْزَعَنِي. و (الحَمُولَةُ) : الإبلُ التي يُحْمَلُ عليها. و (وَسْطَ) : ظَرْفٌ، وإذا لم يَكُنْ ظَرْفًا حُرِّكَت السِّينُ، فَقُلْتَ: وَسَطُ الدارِ وَاسِعٌ. و (تَسَفُّ) : تَأْكُلُ، يُقالُ: سَفِفْتُ الدواءَ وغيرَهُ أَسَفُّهُ. وقالَ أبو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ: (الخِمْخِمُ) : بَقْلَةٌ لها حَبٌّ أَسْوَدُ، إذا أَكَلَتْهُ الغَنَمُ قَلَّتْ أَلْبَانُها وتَغَيَّرَتْ. وإنَّما يَصِفُ أنَّها تَأْكُلُ هذا؛ لأنَّها لم تَجِدْ غَيْرَهُ. ورَوَى ابنُ الأعرابِيِّ: (الحِمْحِمِ) بالحَاءِ غيرَ مُعْجَمَةٍ، وقالَ: الحِمْحِمُ أسرَعُ هَيْجًا - أَيْ: يُبْسًا - مِن الخِمْخِمِ.
ومعنى البيتِ: أنَّهُ رَاعَهُ سَفُّ الحَمُولَةِ حَبَّ الخِمْخِمِ؛ لأنَّهُ لم يَبْقَ شيءٌ إلاَّ الرَّحِيلُ إذا صَارَتْ تَأْكُلُ حَبَّ الخِمْخِمِ، وذلكَ أنَّهُم كانوا مُجْتَمِعِينَ في الرَّبِيعِ، فلَمَّا يَبِسَ البَقْلُ ارْتَحَلُوا وتَفَرَّقُوا.
12 -فِيهَا اثْنَتَانِ وَأَرْبَعُونَ حَلُوبَةً سُودًا كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحَمِ
ويُرْوَى: (خَلِيَّةً) في مَوْضِعِ (حَلُوبَةً) . والخَلِيَّةُ: أنْ يُعْطَفَ على الحُوارِ ثَلاثٌ مِن النُّوقِ، ثمَّ يَتَخَلَّى الراعِي بواحدةٍ مِنْهُنَّ، فتلكَ الخَلِيَّةُ. و (الحَلُوبَةُ) : المَحْلُوبَةُ، يُسْتَعْمَلُ في الواحدِ والجَمْعِ على لفظٍ واحدٍ. و (الخَوَافِي) : أَوَاخِرُ رِيشِ الجَنَاحِ مِمَّا يَلِي الظَّهْرَ. و (الأَسْحَمُ) : الأسودُ. و (اثنتانِ) مرفوعٌ بالابتداءِ، وإنْ شِئْتَ بالاستقرارِ. و (أَرْبَعُونَ) معطوفٌ عليهِ. وقولُهُ: (سُودًا) نعتٌ لقولِهِ: (حَلوبةً) ؛ لأنَّها في موضِعِ الجماعةِ. والمعنى: مِن الحلائِبِ. ويُرْوَى: (سُودٌ) على أنْ يكونَ نعتًا لقولِهِ: (اثنتانِ وأربعونِ) . فإنْ قيلَ: كيفَ جازَ أنْ يَنْعَتَهُما وأَحَدُهما معطوفٌ على صاحبِهِ؟ قيلَ: لأنَّهما قد