فهرس الكتاب
اجْتَمَعَا، فَصَارَا بمَنْزِلَةِ قولِكَ: جَاءَني زيدٌ وعمرٌو الظَّرِيفَانِ. والكافُ في (كَخَافِيَةِ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ، والمعنى: سُودًا مِثْلَ خَافِيَةِ الغرابِ الأَسْحَمِ.
13 -إِذْ تَسْتَبِيكَ بِذِي غُرُوبٍ وَاضِحٍ عَذْبٍ مُقَبَّلُهُ لَذِيدِ المَطْعَمِ
(تَسْتَبِيكَ) : تَذْهَبُ بعَقْلِكَ. وقولُهم: سَبَاهُ اللَّهُ؛ أيْ: غَرَّبَهُ اللَّهُ. وغَرْبُ كلِّ شيءٍ: حَدُّهُ. وأرادَ: بثَغْرٍ ذِي غُرُوبٍ. وغُرُوبُ الأَسْنَانِ: حَدُّها. و (الوَاضِحُ) : الأبيضُ، ويريدُ بـ (العَذْبِ) أنَّ رَائِحَتَهُ طَيِّبَةٌ، فَقَدْ عَذُبَ لذلكَ. ويُرِيدُ بـ (المَطْعَمِ) : المُقَبَّلَ. و (إذْ) في موضِعِ نصبٍ، والمعنى: عُلِّقْتُهَا إذْ تَسْتَبِيكَ. وإنْ شِئْتَ كانَ بمعنى: اذْكُرْ. وقولُهُ: (عَذْبٍ) نَعْتٌ، و (مُقَبَّلُهُ) مرفوعٌ بهِ. وإنْ شِئْتَ رَفَعْتَ عَذْبًا ولَذِيذًا، وكانَ المعنى: مُقَبَّلُهُ عَذْبٌ لَذِيذُ المَطْعَمِ.
14 -وكأنَّ فَارَةَ تَاجِرٍ بقَسِيمَةٍ سَبَقَتْ عَوَارِضَهَا إليكَ مِنَ الْفَمِ
معناهُ: وكأنَّ فَارَةَ مِسْكٍ. و (التاجِرُ) هنا: العَطَّارُ. ويُسْأَلُ عنْ هذا فَيُقَالُ: لِمَ خَصَّ فارةَ التاجِرِ دُونَ فَارَةِ المَلِكِ؟ فيُقَالُ: إنَّما خَصَّ فارةَ التاجِرِ؛ لأنَّهُ لا يَتَرَبَّصُ بالمِسْكِ إذْ كانَ يَتَغَيَّرُ، فمِسْكُهُ أَجْوَدُ. وقالَ الأَصْمَعِيُّ: (العَوَارِضُ) : مَنَابِتُ الأَضْرَاسِ، واحِدُها: عارِضٌ. وهذا الجمعُ الذي على (فواعِلَ) لا يَكَادُ يَجِيءُ إلاَّ جَمْعَ (فاعلةٍ) ؛ نَحْوُ: ضاربةٍ وضَوَارِبَ. إلاَّ أنَّهُم رُبَّمَا جَمَعُوا (فاعلًا) على (فواعِلَ) ؛ لأنَّ الهاءَ زائدةٌ، كهالِكٍ وهَوَالِكَ. فعلى هذا جَمَعَ عَارِضًا على عَوَارِضَ.
أيْ: سَبَقَت الفَارةُ عَوارِضَها، وإنَّما يَصِفُ طِيبَ رائحةِ فيها. وخَبَرُ (كأنَّ) قولُهُ: (سَبَقَتْ) . وقولُهُ: (بقَسِيمَةٍ) تَبْيِينٌ، وليسَ بخبرِ (كَأَنَّ) . و (القَسِيمَةُ) قالُوا: هيَ الجُونَةُ. وقيلَ: سُوقُ المِسْكِ. وقيلَ: هيَ العِيرُ التي تَحْمِلُ المِسْكَ.
15 -أوْ رَوْضَةً أُنُفًا تَضَمَّنَ نَبْتَهَا غَيْثٌ قَلِيلُ الدِّمْنِ لَيْسَ بِمَعْلَمِ
معناهُ: كأنَّ رِيحَها رِيحُ مِسْكٍ، أوْ رِيحُ رَوْضَةٍ. و (الرَّوْضَةُ) : المكانُ المُطْمَئِنُّ يَجْتَمِعُ إليهِ الماءُ، فيَكْثُرُ نَبْتُهُ. ولا يُقالُ في الشجرِ: رَوْضَةٌ. الرَّوْضَةُ في النَّبْتِ، والحديقةُ في الشجرِ. ويُقَالُ: أَرْوَضَ المكانُ، إذا صَارَتْ فيهِ رَوْضَةٌ. و (الأُنُفُ) : التامُّ مِنْ كُلِّ شيءٍ. وقيلَ: هوَ أوَّلُ كلِّ شيءٍ، ومنهُ: اسْتَأْنَفْتُ الأمرَ. والغَيْثُ: المطَرُ. و (المَعْلَمُ) والعَلَمُ والعلامَةُ واحِدٌ. والمعنى: أنَّ هذهِ الرَّوْضَةَ ليسَتْ في مَوْضِعٍ مَعْروفٍ، فيَقْصِدَها الناسُ للرَّعْيِ فيُؤَثِّرُوا فيها ويُوَسِّخُوهَا. وَهُوَ أَحْسَنُ لها، إذَا كانَتْ في موضِعٍ لا يُقْصَدُ.
وقولُهُ: (أو رَوْضَةً) رَوْضَةٌ منصوبةٌ لأنَّها معطوفةٌ على اسمِ (كَأَنَّ) . ويَجُوزُ فيهِ الرفعُ على العطفِ على المُضْمَرِ الذي في (سَبَقَتْ) . وحَسُنَ العطفُ على المُضْمَرِ المرفوعِ؛ لأنَّ الكلامَ قدْ طالَ، ألا تَرَى أنَّكَ لوْ قُلْتَ: ضَرَبْتُ زيدًا وعَمْرٌو، فعَطَفْتَ عَمْرًا على التَّاءِ كانَ حَسَنًا؛ لِطُولِ الكلامِ؟
16 -جَادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ بِكْرٍ حُرَّةٍ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرَارَةٍ كَالدِّرْهَمِ