الصفحة 16 من 214

قالَ ابنُ الكَلْبِيِّ: فَاطِمَةُ هيَ ابنةُ عُبَيْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ عامرٍ. قالَ: وعامرٌ هوَ الأَجْدَارُ بنُ عَوْفِ بنِ كِنَانَةَ بنِ عَوْفِ بنِ عُذْرَةَ. قالَ: ولها يقولُ:

لا وَأَبِيكِ ابْنةَ العَامِرِ يِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أَفِرْ

وإنَّما سُمِّيَ الأَجْدَارَ؛ لَجَدَرَةٍ كانَتْ في عُنُقِهِ.

وقولُهُ: (أَزْمَعْتِ صَرْمِي) ؛ أيْ: عَزَمْتِ عليهِ. و (الصُّرْمُ) : الهَجْرُ، والصَّرْمُ المصدرُ.

و (أَفَاطِمَ) تَرْخِيمُ (فاطمةَ) على لُغَةِ مَنْ قالَ: يا حَارِ أَقْبِلْ. والعربُ تَجْعَلُ الألفَ موضِعَ (يَا) في النداءِ والترخيمِ. وزَعَمَ سِيبَوَيْهِ أنَّ الحروفَ التي يُنَبَّهُ بها - يعني: يُنَادَى بها - يا، وأَيَا، وهَيَا، وأيْ، والألِفُ، وزادَ الفَرَّاءُ: آيْ زيدُ، وَوَازَيْدُ.

ومعنى البيتِ أنَّهُ يقولُ لها: إنْ كانَ هذا مِنْكِ تَدَلُّلًا فأَقْصِرِي، وإنْ كانَ عنْ بِغْضَةٍ فأَجْمِلِي؛ أيْ: أَحْسِنِي. ويُقالُ: أَجْمِلِي في اللفظِ، ويُقالُ: أَدَلَّ فلانٌ على فلانٍ، إذا أَلْزَمَهُ ما لا يَجِبُ عليهِ دَالَّةً منهُ عليهِ. ورَوَى أبو عُبَيْدَةَ: (وإنْ كُنْتِ قَدْ أَزْمَعْتِ قَتْلِي) .

20 -وإنْ تَكُ قَدْ سَاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَةٌ فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُلِ

(سَاءَتْكِ) : آذَتْكِ. و (الخَلِيقَةُ) والخُلُقُ واحدٌ. و (تَنْسُلِ) : تَسْقُطِ، يُقالُ: نَسَلَ رِيشُ الطائرِ، إذا سَقَطَ، يَنْسُلُ. وأَنْسَلَ: إذَا نَبَتَ.

وقولُهُ: (تَكُ) في موضِعِ الجزمِ، وأصلُهُ: تكونُ، فتُحْذَفُ ضَمَّةُ النونِ للجزمِ، وتَبْقَى النونُ ساكنةً، والواوُ ساكنةٌ، فتُحْذَفُ الواوُ لسكونِها وسكونِ النونِ، فيَصِيرُ تَكُنْ، ثمَّ حُذِفَت النونُ مِنْ: تَكُنْ. ولا يَجُوزُ أنْ تُحْذَفَ مِنْ نَظائِرِها، لوْ قُلْتَ: لم يَصُ زَيْدٌ نفسَهُ، لم يَجُزْ حتَّى تأتِيَ بالنونِ، والفرقُ بينَ (يكونُ) وبينَ نظَائِرِها أنَّ (يكونُ) فعلٌ يَكْثُرُ استعمالُهم لهُ، وهم يَحْذِفُون ممَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُم لهُ. ومعنى كثرةِ الاستعمالِ في هذا: أنَّ (كانَ) و (يكونُ) يُعَبَّرُ بِهِما عنْ كلِّ الأفعالِ، تقولُ: كانَ زَيْدٌ يَقُومُ، وكانَ زيدٌ يَجْلِسُ، وما أَشْبَهَ ذلكَ، فلَمَّا كَثُرَ استعمالُهم لـ (كانَ) و (يكونُ) حُذِفَت النونُ مِنْ (يَكُنْ) ، وشُبِّهَتْ بحروفِ المدِّ واللِّينِ، فحُذِفَتْ كما يُحْذَفْنَ.

والدليلُ على أنَّها مُشَبَّهَةٌ بحروفِ المَدِّ واللِّينِ أنَّها لا تُحْذَفُ في موضِعٍ تكونُ فيهِ مُتَحَرِّكَةً، لا يَجُوزُ أنْ تقولَ: لم يَكُ الرجلُ مُنْطَلِقًا؛ لأنَّها في موضِعِ حركةٍ؛ لأنَّكَ تقولُ: لم يَكُنِ الرَّجُلُ مُنْطَلِقًا.

وقولُهُ: (فَسُلِّي ثِيَابِي مِنْ ثِيَابِكِ) يعني: قَلْبَهُ مِنْ قَلْبِهَا؛ أيْ: خَلِّصي قَلْبِي مِنْ قَلْبِكِ.

21 -أَغَرَّكِ مِنِّي أَنَّ حُبَّكِ قَاتِلِي وأَنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي الْقَلْبَ يَفْعَلِ؟

(أَغَرَّكِ) ؛ أيْ: أَحَمَلَكِ على الغِرَّةِ، وهوَ فِعْلُ مَنْ لم يُجَرِّبِ الأمورَ. و (أنَّ حُبَّكِ) في موضِعِ رَفْعٍ، كأنَّكَ قُلْتَ: أَغَرَّكِ منِّي حُبِّيكِ؟ و (تَأْمُرِي) في مَوْضِعِ جَزْمٍ بـ (مَهْمَا) . قالَ الخَلِيلُ: الأصلُ في (مَهْمَا) مَامَا، فـ (مَا) الأُولَى تَدْخُلُ للشرطِ في قولِكَ: ما تَفْعَلْ أَفْعَلْ، و (مَا) الثانيَةُ زائدةٌ للتوكيدِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت