فهرس الكتاب
وقالَ الفَرَّاءُ: كانَ الأصلُ في (مَهْمَا) ما، فحَذَفَت العربُ الألفَ منها، وجَعَلَت الهاءَ خَلَفًا مِنها، ثُمَّ وُصِلَتْ بـ (مَا) ، فدَلَّتْ على المعنَى، وصارَتْ هيَ كأنَّها صِلَةٌ لـ (مَا) ، وهيَ في الأصلِ اسمٌ. وكذلكَ (مَهْمَنْ) . قالَ الشاعِرُ:
أَمَاوِيَّ مَهْمَنْ يَسْتَمِعْ في صَديقِهِ أَقَاوِيلَ هذا النَّاسِ مَاوِيَّ يَنْدَمِ
وقيلَ: معنى (مَهْ) ؛ أيْ: كُفَّ، كما تقولُ للرجلِ إذا فعَلَ فِعْلًا لا تَرْضَاهُ مِنهُ: مَهْ؛ أيْ: كُفَّ.
والمعنى: فإنَّكِ مَهْمَا تَأْمُرِي قَلْبَكِ يَفْعَلْ؛ لأنَّكَ مَالِكَةٌ لهُ، وأنا لا أَمْلِكُ قَلْبِي. وقالَ قومٌ: المعنى: مَهْمَا تَأْمُرِي قَلْبِي يَفْعَلْ؛ لأنَّهُ مُطِيعٌ لكِ.
22 -وما ذَرَفَتْ عَيْنَاكِ إِلاَّ لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ فِي أَعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّلِ
(ذَرَفَتْ) : دَمَعَتْ. و (مُقَتَّلٌ) : مُذَلَّلٌ مُنْقَادٌ. وقولُهُ: (إِلاَّ لِتَضْرِبِي بِسَهْمَيْكِ) يقولُ: ما بَكَيْتِ إلاَّ لِتَجْرَحِي قَلبًا مُعَشَّرًا؛ أيْ: مُكَسَّرًا، مِنْ قولِهم: بُرْمَةٌ أَعْشَارٌ، وقَدَحٌ أَعْشَارٌ، إذا كانَ قِطَعًا، ولم يُسْمَعْ للأعشارِ بواحِدٍ.
يقولُ: بَكَيْتِ لِتَجْعَلِي قَلْبِي مُقَطَّعًا مُخَرَّقًا، كما يُخَرِّقُ الجابِرُ أعشارَ البُرمةِ، والبُرمةُ تَنْجَبِرُ والقلبُ لا يَنْجَبِرُ. ومثلُهُ:
رَمَتْكَ ابْنَةُ البَكْرِيِّ عنْ فَرْعِ ضَالَةٍ وهُنَّ بِنَا خُوصٌ يُخَلْنَ نَعَائِمَا
أيْ: نَظَرَتْ إليكَ، فأَقْرَحَتْ قَلْبَكَ، ليسَ أنَّها رَمَتْكَ بسَهْمٍ.
وقيلَ: معناهُ: أنَّ هذا مَثَلٌ لأَعْشَارِ الجَزُورِ، وهيَ تُقَسَّمُ على عَشَرَةِ أَنْصِبَاءَ، ثمَّ يُجَالُ عليها بالسِّهامِ، التي هيَ: الفَذُّ والتَّوْءَمُ والرَّقِيبُ والحِلْسُ والنافِسُ والمُسْبِلُ والمُعَلَّى، فالفَذُّ لهُ نصيبٌ إذا فازَ، والتوءَمُ لهُ نَصِيبَانِ، والرَّقِيبُ لهُ ثلاثةُ أَنْصِبَاءَ، والحِلْسُ لهُ أربعةٌ، والنافِسُ لهُ خَمْسَةٌ، والمُسْبِلُ لهُ سِتَّةٌ، والمُعَلَّى لهُ سبعةٌ. فقولُهُ: (بِسَهْمَيْكِ) يُرِيدُ: المُعَلَّى، ولهُ سبعةُ أَنْصِبَاءَ، والرَّقِيبَ ولهُ ثلاثةُ أَنْصِبَاءَ، فأرادَ أنَّكِ ذَهَبْتِ بقَلْبِي أَجْمَعَ.
ورَوَى أبو نَصْرٍ عن الأَصْمَعِيِّ أنَّهُ قالَ: معناهُ: دَخَلَ حُبُّكِ في قلبي كما يَدْخُلُ السَّهْمُ، يقولُ: لم تَبْكِي لأنَّكِ مظلومةٌ، وإنَّما بَكَيْتِ لِتَقْدَحِي في قلبي، كما يَقْدَحُ القادِحُ في الأعشارِ. وأَجْوَدُ هذهِ الوجوهِ أنْ يكونَ المرادُ بالسهميْنِ المُعَلَّى والرقيبَ؛ لأنَّهُ جَعَلَ بُكاءَها سَبَبًا لِغَلَبَتِها على قَلْبِهِ، فكأنَّها حينَ بَكَتْ فازَ سَهْمَاهَا، شَبَّهَهَا باليَسَرِ - وهوَ المُقَامِرُ - إذا اسْتَوْلَى بقَدَحَيْنِ على أعشارِ الجَزُورِ؛ وذلكَ أنَّهُ لا يُسْتَوْلَى على الجَزُورِ كُلِّها بأَقَلَّ مِنْ سَهْمَيْنِ.
23 -وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لا يُرَامُ خِبَاؤُهَا تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ