فهرس الكتاب
68 -فَظَلَّ طُهَاةُ اللَّحْمِ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ صَفِيفَ شِوَاءٍ أوْ قَدِيرٍ مُعَجَّلِ
(الطُّهَاةُ) : الطَّبَّاخُونَ، واحِدُهم طَاهٍ. و (الصَّفِيفُ) : الذي قدْ صُفِّفَ مُرَقَّقًا على الجَمْرِ. و (القَدِيرُ) : ما طُبِخَ في قِدْرٍ. وأمَّا خَفْضُ (قَدِيرٍ) فأَجْوَدُ ما قِيلَ فيهِ - وأجازَ مِثْلَهُ سِيبَوَيْهِ - أنَّهُ كانَ يَجُوزُ أنْ يقولَ: (مِنْ بَيْنِ مُنْضِجِ صَفِيفِ شِوَاءٍ) ، فحَمَلَ (قَديرًا) على (صَفِيفٍ) لوْ كانَ مجرورًا.
وشَرْحُ هذا أنَّكَ إذا عَطَفْتَ اسمًا على اسمٍ، وكانَ يَجُوزُ لكَ في الأوَّلِ إعرَابَانِ فأَعْرَبْتَهُ بأحدِهما، ثمَّ عَطَفْتَ الثانِيَ عليهِ، جازَ لكَ أنْ تُعْرِبَهُ بإعرابِ الأوَّلِ، وجازَ لكَ أنْ تُعْرِبَهُ بما كانَ يَجُوزُ في الأوَّلِ، فَتَقُولُ: هذا ضارِبُ زيدٍ وعمرٍو، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هذا ضارِبُ زيدٍ وعَمْرًا؛ لأنَّهُ قدْ كانَ يَجُوزُ لكَ أنْ تقولَ: هذا ضارِبٌ زيدًا وعَمْرًا. وكذلكَ تقولُ: هذا ضارِبٌ زيدًا وعمرًا، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ: هذا ضاربٌ زيدًا وعمرٍو؛ لأنَّهُ قدْ كانَ يَجُوزُ لكَ أنْ تقولَ: هذا ضاربُ زيدٍ وعمرٍو، فهذا يَجِئُ على مذهَبِ سِيبَوَيْهِ، وأَنْشَدَ:
مَشَائِيمُ لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً ولا نَاعِبٍ إلاَّ بِشُؤْمٍ غُرابُهَا
والمَازِنِيُّ وأبو العَبَّاسِ لا يُجِيزَانِ هذهِ الروايَةَ. والروايَةُ عندَهما: (ولا نَاعِبًا) ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُضْمَرَ الخافِضُ؛ لأنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ، وهوَ مِنْ تَمامِ الاسمِ. وأمَّا القولُ في البيتِ؛ فإنَّ قديرًا مَعْطُوفٌ على (مُنْضِجٍ) بلا ضرورةٍ، والمعنى: مِنْ بينِ قديرٍ، والتقديرُ: مِنْ بينِ مُنْضِجٍ قَدِيرٍ، ثُمَّ حَذَفَ (مُنْضِجًا) وأقامَ (قَدِيرًا) مُقَامَهُ في الإعرابِ.
69 -ورُحْنَا يَكَادُ الطَّرْفُ يَقْصُرُ دُونَهُ مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ
أرادَ بـ (الطَّرْفِ) : العينَ. والطَّرْفُ يكونُ المصدرَ أيضًا. ومعنى قولِهِ: (يَقْصُرُ دُونَهُ) : أنَّهُ إذا نَظَرَ إلى هذا الفرسِ أَطَالَ النظرَ إلى ما يَنْظُرُ منهُ؛ لِحُسْنِهِ، فلا يكادُ يَسْتَوْفِي النظرَ إلى جميعِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ معناهُ: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلى هذا الفرسِ لم يُدِمِ النظرَ إليهِ؛ لِئَلاَّ يُصِيبَهُ بعَيْنِهِ؛ لحُسْنِهِ.
ورَوَى الأَصْمَعِيُّ وأبو عُبَيْدَةَ: (وَرُحْنَا وَرَاحَ الطِّرْفُ يَنْفُضُ رَأْسَهُ) . والطِّرْفُ: الكريمُ مِنْ كُلِّ شيءٍ، والأُنْثَى طِرْفَةٌ. وقيلَ: الطِّرْفُ: الكريمُ الطَّرْفَيْنِ. وقولُهُ: (يَنْفُضُ رَأْسَهُ) ؛ أيْ: من المَرَحِ والنشاطِ.
وقولُهُ: (مَتَى مَا تَرَقَّ العَيْنُ فِيهِ تَسَهَّلِ) ؛ أيْ: متَى ما نظَرَ إلى أَعْلاهُ نظَرَ إلى أسفلِهِ؛ لكمالِهِ؛ لِيَسْتَتِمَّ النظرَ إلى جميعِ جَسَدِهِ.
70 -فَبَاتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ وباتَ بِعَيْنِي قَائِمًا غَيْرَ مُرْسَلِ