الصفحة 35 من 214

في (بَاتَ) ضميرُ الفرسِ. وقولُهُ: (عليهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ) في مَوْضِعِ النصبِ خَبَرُ (باتَ) ، و (باتَ) الثاني معطوفٌ على الأوَّلِ، و (بِعَيْنِي) خبرُهُ؛ أيْ: بحيثُ أَرَاهُ، و (قائِمًا) نُصِبَ على الحالِ. و (غيرَ مُرْسَلِ) ؛ أيْ: غيرَ مُهْمَلٍ. ومعناهُ: أنَّهُ لَمَّا جِيءَ بهِ من الصَّيْدِ لم يُرْفَعْ عنهُ سَرْجُهُ، وهوَ عَرِقٌ، ولم يُقْلَعْ لِجَامُهُ، فَيُعْتَلَفَ على التَّعَبِ، فيُؤْذِيهِ ذلكَ. ويَجُوزُ أنْ يكونَ معنى (فَبَاتَ عليهِ سَرْجُهُ ولِجَامُهُ) ؛ لأنَّهم مُسَافِرُونَ، كأنَّهُ أَرَادَ الغُدُوَّ، فكانَ مُعَدًّا لذلكَ.

71 -أَصَاحِ تَرَى بَرْقًا أُرِيكَ وَمِيضَهُ كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ؟

ويُرْوَى: (أَحَارِ تَرَى) . ويُرْوَى: (أَعِنِّي عَلَى بَرْقٍ أُرِيكَ وَمِيضَهُ) . يُقالُ: وَمَضَ البرقُ وأَوْمَضَ، وَمْضًا وإِيماضًا. والوَمْضُ: الخَفِيُّ. و (وَمِيضَهُ) : خَطَرَانَهُ. وقولُهُ: (كَلَمْعِ اليَدَيْنِ) ؛ أيْ: كَحَرَكَتِهِما. و (الْحَبِيُّ) : ما ارْتَفَعَ مِن السَّحابِ. و (الْمُكَلَّلُ) : المُسْتَدِيرُ كالإِكْلِيلِ. و (المُكَلَّلُ) : المُتَبَسِّمُ بالبَرْقِ.

وقولُهُ: (أَصَاحِ) ترخيمُ صَاحِبٍ على لُغَةِ مَنْ قالَ: يا حَارِ. وفيهِ من السُّؤَالِ أنْ يُقَالَ: قالَ النَّحْويُّونَ: لا تُرَخَّمُ النَّكِرَةُ، فكيفَ جازَ أنْ يُرَخِّمَ (صَاحِبًا) وهوَ نكرةٌ، وقدْ قالَ سِيبَوَيْهِ: لا يُرَخَّمُ من النَّكِرَاتِ إلاَّ ما كانَ في آخِرِهِ الهاءُ، نَحْوُ قولِهِ:

* جَارِيَ لا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي *

فالجوابُ عنْ هذا: أنَّ أَبَا العبَّاسِ لا يُجَوِّزُ أنْ تُرَخَّمَ نَكِرَةٌ البَتَّةَ، وأَنْكَرَ على سِيبَوَيْهِ ما قالَ مِنْ أنَّ النكرةَ تُرَخَّمُ إذا كانَتْ فيها الهاءُ، وزَعَمَ أنَّ قولَهُ:

جَارِيَ لا تَسْتَنْكِرِي عَذِيرِي *

أنَّهُ يُرِيدُ: يا أَيَّتُها الجارِيَةُ، فكأنَّهُ رَخَّمَ على هذا مَعْرِفَةً، فكذلكَ يقولُ في قَوْلِهِ: (أَصَاحِ تَرَى) ، كأنَّهُ قالَ: يا أَيُّها الصاحِبُ، ثمَّ رَخَّمَ على هذا.

ومِمَّا يُسْأَلُ عنهُ في هذا البيتِ أنْ يُقالَ: كيفَ جازَ أنْ يُسْقِطَ حرفَ الاستفهامِ؟ وإنَّما المعنَى: أَتَرَى بَرْقًا؟ فإنْ قالَ قائلٌ: إنَّ الألِفَ في قَوْلِهِ: (أَصَاحِ) هيَ أَلِفُ الاستفهامِ، فهذا خطأٌ؛ لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تقولَ: صاحِبُ أَقْبِلْ؛ لأنَّكَ تُسْقِطُ شَيْئَيْنِ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قُلْتَ: يا صَاحِبُ، فمعناهُ: يا أيُّهَا الصاحِبُ.

فالجوابُ: عنْ هذا أنَّ قَوْلَهُ: (أَصَاحِ) الألِفُ للنداءِ، كقولِكَ: يا صَاحِ، إلاَّ أنَّها دَلَّتْ على الاستفهامِ؛ إذْ كانَ لَفْظُها كلفظِ ألفِ الاستفهامِ. وأجازَ النَّحْوِيُّونَ: زيدٌ عندَكَ أمْ عَمْرٌو؟ يُرِيدُونَ أَزَيْدٌ عندَكَ أمْ عمرٌو؟ لأنَّ (أَمْ) قدْ دَلَّتْ على معنى الاستفهامِ. فأمَّا بغيرِ دَلالةٍ فلا يَجُوزُ، لوْ قُلْتَ: زيدٌ عندَكَ وأَنْتَ تريدُ الاستفهامَ لم يَجُزْ. وقدْ أُنْكِرَ على عُمَرَ بنِ أبي رَبِيعَةَ قَوْلُهُ:

ثُمَّ قالُوا: تُحِبُّها؟ قُلْتُ: بَهْرًا عددَ الرَّمْلِ والحَصَى والتُّرَابِ

قالُوا: لأنَّهُ أَرَادَ: قالُوا: أَتُحِبُّها؟ ثمَّ أَسْقَطَ ألفَ الاستفهامِ. وهذا عندَ أبي العبَّاسِ ليسَ باستفهامٍ، إنَّما هوَ على الإلزامِ والتوبيخِ، كأنَّهُ قالَ: قَالُوا: أَنْتَ تُحِبُّها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت