فهرس الكتاب
76 -ومَرَّ على الْقَنَانِ مِنْ نَفَيَانِهِ فأَنْزَلَ مِنهُ العُصْمَ مِنْ كلِّ مُنْزَلِ
ويُرْوَى: (مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ) . و (القَنَانُ) : جبلٌ لبني أَسَدٍ. وأصلُ (النَّفَيَانِ) ما تَطَايَرَ عن الرِّشَاءِ عندَ الاسْتِقَاءِ، وهوَ ههنا: ما شَذَّ عنْ مُعْظَمِهِ. و (العُصْمُ) : الوُعُولُ، واحِدُها أَعْصَمُ، والأُنْثَى: أُرْوِيَّةٌ، والأَعْصَمُ هنا: ما كانَ في مِعْصَمِهِ بَيَاضٌ، أوْ لَوْنٌ يُخَالِفُ لونَهُ. وقيلَ: بلْ سُمِّيَ الوَعْلُ أَعْصَمَ؛ لأنَّهُ يَعْتَصِمُ بالجِبَالِ، لأنَّهُ لا يَكَادُ يَكُونُ إلاَّ فيها. ومَنْ رَوَى: (مِنْ كُلِّ مُنْزَلِ) فمعناهُ عندَهُ: مِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ تُنْزَلُ مِنهُ العُصْمُ. ومَنْ رَوَى: (مِنْ كُلِّ مَنْزِلِ) فمَعْنَاهُ: مِنْ كلِّ مَوْضِعٍ تَنْزِلُ هيَ مِنْهُ؛ أيْ: تَهْرُبُ مِن السَّيْلِ الكثيرِ.
77 -وَتَيْمَاءَ لم يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ وَلا أُجُمًا إِلاَّ مَشِيدًا بجَنْدَلِ
ويُرْوَى: (ولا أُطُمًا) . و (الآجَامُ) : البُيُوتُ المُسَقَّفَةُ، وكذلكَ (الآطَامُ) . يقولُ: لم يَدَعْ أُطُمًا إلاَّ ما كانَ مَشِيدًا بجِصٍّ وصَخْرٍ فإنَّهُ سَلِمَ. والشِّيدُ: الجِصُّ. و (المَشِيدُ) يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ المبنيَّ بالجِصِّ، وأنْ يكونَ المُطَوَّلَ. و (تَيْمَاءُ) : منْ أُمُّهَاتِ القُرَى.
78 -كَأَنَّ ثَبِيرًا في عَرَانِينِ وَبْلِهِ كَبِيرُ أُنَاسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ
(ثَبِيرٌ) : جبلٌ. و (العَرَانِينُ) : الأوائِلُ. والأصلُ في هذا أنْ يُقَالَ للأنفِ: عِرْنِينٌ. و (الوَبْلُ) : ما عَظُمَ مِن القَطْرِ. ورَوَاهَا الأَصْمَعِيُّ: (كَأَنَّ أَبَانًا فِي أَفَانِينِ وَدْقِهِ) . و (أَبَانَانِ) : جبلٌ أبيضُ وجبلٌ أسودُ، وهُما لبَنِي عبدِ مَنَافِ بنِ دَارِمٍ. و (أَفَانِينُ) : ضُرُوبٌ. و (الوَدْقُ) : المَطَرُ. و (البِجادُ) : كِسَاءٌ مُخَطَّطٌ مِنْ أَكْسِيَةِ الأعرابِ مِنْ وَبَرِ الإِبِلِ وصُوفِ الغَنَمِ مُخَيَّطَةٌ، والجمعُ بُجُدٌ. و (مُزَمَّلٌ) : مُلْتَفٌّ.
يقولُ: قدْ أَلْبَسَ الوَبْلُ أَبَانًا فكَأَنَّهُ ممَّا أَلْبَسَهُ مِن المَطَرِ وغَشَّاهُ كَبِيرُ أُنَاسٍ مُزَمَّلٌ؛ لأنَّ الكَبِيرَ أَبَدًا مُتَدَثِّرٌ. وقالَ أبو نَصْرٍ: شَبَّهَ الجَبَلَ، وقدْ غَطَّاهُ الماءُ والغُثَاءُ الذي أَحَاطَ بهِ إلاَّ رَأْسَهُ، بشيخٍ في كِساءٍ مُخَطَّطٍ، وذلكَ أنَّ رأسَ الجبلِ يَضْرِبُ إلى السَّوَادِ، والماءُ حَوْلَهُ أَبْيَضُ.
وكانَ يَجِبُ أنْ يقولَ: (مُزَمَّلُ) ؛ لأنَّهُ نعتٌ للـ (كَبِيرُ) ، إلاَّ أنَّهُ خَفَضَهُ على الجِوَارِ. وحكَى الخليلُ وسِيبَوَيْهِ: (هذا جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ) ، وإنَّما (خَرِبٍ) نعتٌ للجُحْرِ. قالَ سِيبَوَيْهِ: وإنَّما غَلِطُوا في هذا؛ لأنَّ المضافَ والمضافَ إليهِ بمنزلةِ شيءٍ واحدٍ، وأنَّهُمَا مُفْرَدَانِ. وحَكَى الخليلُ أنَّهُم يَقُولُونَ في التثنيَةِ: (هذَانِ جُحْرَا ضَبٍّ خَرِبَانِ) ، فيَرْجِعُ الإعرابُ إلى ما يَجِبُ؛ لأنَّ الأوَّلَ مُثَنًّى، والثانِيَ مفردٌ. وممَّا يُبَيِّنُ لكَ هذا حِكَايَةُ سِيبَوَيْهِ عن العربِ: (هذا حَبُّ رُمَّانِي) ، وإنَّما كانَ يَجِبُ أنْ يُضِيفَ الحَبَّ إلى نفسِهِ.
وفي البيتِ وَجْهٌ آخَرُ، وهوَ أنْ يكونَ على قولِ مَنْ قالَ: كُسِيَتْ جُبَّةٌ زَيْدًا، فيكونُ التقديرُ: في بِجادٍ مُزَمَّلِهِ الكِسَاءُ، ثُمَّ تُحْذَفُ، كما تقولُ: مَرَرْتُ برَجُلٍ مَكْسُوَّتِهِ جُبَّةٌ، ثمَّ تُكَنِّي عن الجُبَّةِ