فهرس الكتاب
وقولُهُ: (تُرَاعِي رَبْرَبًا) ؛ أيْ: تَرْعَى معَ رَبْرَبٍ. و (الرَّبْرَبُ) : القَطِيعُ من البقرِ والظِّباءِ وغيرِ ذلكَ. وخَصَّ الخَذُولَ؛ لأنَّها فَزِعَةٌ وَلِهَةٌ على خِشْفِهَا، فهيَ تَشْرَئِبُّ وتَمُدُّ عُنُقَهَا وتَرْتَاعُ؛ لأنَّها مُنْفَرِدَةٌ، وهوَ أَحْسَنُ لَهَا، وَلَوْ كانَتْ في قَطِيعِها لم يَبِنْ حُسْنُها. و (الخَمِيلَةُ) : الأرضُ السَّهْلَةُ اللَّيِّنَةُ ذاتُ الشَّجَرِ. و (الْبَرِيرُ) : ثَمَرُ الأَرَاكِ.
8 -وتَبْسِمُ عنْ أَلْمَى كأنَّ مُنَوِّرًا تَخَلَّلَ حُرَّ الرَّملِ دِعْصٌ لهُ نَدِي
أيْ: وتَبْسِمُ عنْ ثَغْرٍ (أَلْمَى) ؛ أيْ: أَسْمَرَ اللِّثَاتِ. وهم يَمْدَحُونَ سُمْرَةَ اللِّثةِ؛ لأنَّها تُبَيِّنُ بَيَاضَ الأسنانِ. و (المُنَوَّرُ) : الأُقْحُوَانُ الذي قدْ ظَهَرَ نَوْرُهُ. و (تَخَلَّلَ) ؛ أيْ: دَخَلَ في خَلَلِهِ. و (حَرُّ الرَّمْلِ) : خَالِصُهُ، وكذلكَ حَرُّ كُلِّ شيءٍ. و (الدِّعْصُ) : الكَثِيبُ من الرملِ. ومِمَّا يُسْأَلُ عنهُ في هذا البيتِ، أنْ يُقالَ: ما يَعُودُ على قَوْلِهِ: (أَلْمَى) ، وأينَ خَبَرُ (كَأَنَّ) ؛ لأنَّ الهاءَ في قَوْلِهِ: (لَهُ) تعودُ على الأُقْحُوَانِ؟
فالجوابُ عنْ هذا: أنَّ خبرَ (كأنَّ) محذوفٌ، وهوَ يعودُ على قولِهِ: (أَلْمَى) ، والمعنى: كأنَّ مُنوِّرًا، مُتَخَلِّلًا حُرَّ الرملِ دِعْصٌ لهُ نَدٍ، هذا الثَّغْرُ. فحُذِفَ لِعِلْمِ السامعِ.
9 -سَقَتْهُ إِيَاةُ الشَّمْسِ إلاَّ لِثاتِهِ أُسِفَّ ولمْ تَكْدِمْ عَلَيْهِ بإِثْمِدِ
(إِيَاةُ الشمسِ) : ضَوْءُها وشُعَاعُها، ويقالُ: إِيَا الشمسِ بالقصرِ، وأَيَاءٌ. إذا كَسَرْتَ الهمزةَ قَصَرْتَ، وإذا فَتَحْتَ مَدَدْتَ. ومعنى (سَقَتْهُ) : حَسَّنَتْهُ وبَيَّضَتْهُ وأَشْرَبَتْهُ حُسنًا. وقِيلَ في قَوْلِهِ: (سَقَتْهُ إِياةُ الشمسِ) : منْ قَوْلِ الأعرابِ إذا سَقَطَتْ سِنُّ أَحَدِهِم كانَ يَرْمِيهَا إلى عَيْنِ الشمسِ، ويقولُ: أَبْدِلْنِي سِنًّا مِنْ ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ. ومعنى (أُسِفَّ) : ذُرَّ عليهِ؛ أيْ: أُسِفَّ بإِثْمِدٍ. (ولَمْ تَكْدِمْ عليْهِ) ؛ أيْ: لم تَعْضَضْ عَظْمًا، فيُؤَثِّرَ في ثَغْرِها، ويُذْهِبَ أُشُرَهُ.
والهاءُ في (سَقَتْهُ) تعودُ على الثَّغْرِ، وكذلكَ الهاءُ، في (لِثَاتِهِ) . و (اللِّثَاتُ) في موضِعِ نصبٍ على الاستثناءِ. والمُضْمَرُ الذي في قَوْلِهِ: (أُسِفَّ) يعودُ على الثَّغْرِ أيضًا على قولِ أهلِ اللُّغَةِ، والمعنى عِنْدَهم: أنَّهُ يَعُودُ على الثَّغْرِ، وهوَ يُرِيدُ اللِّثَاتِ، وليسَ يَمْتَنِعُ أنْ يعودَ على اللِّثَاتِ، وقدْ يُذَكَّرُ، يُحْمَلُ على تذكيرِ الجمعِ، وإنَّما قالُوا: إنَّهُ يُرِيدُ اللِّثَاثِ؛ لأنَّهُ يُرِيدُ أنَّ اللِّثَاتِ كأنَّها ذُرَّ عليها كُحْلٌ، وهم يَمْتَدِحُونَ النِّسَاءَ بهذا، وكذلكَ سُمْرَةُ الشِّفَةِ.
10 -وَوَجْهٌ كأنَّ الشَّمْسَ حَلَّتْ رِدَاءَهَا عَلَيْهِ نَقِيُّ اللَّوْنِ لمْ يَتَخَدَّدِ
أيْ: ولها وَجهٌ. ورَوَى بعضُهم: (وَوَجْهٍ) بالجَرِّ، عَطَفَهُ على (أَلْمَى) ؛ أيْ: وتَبْسِمُ عنْ وَجْهٍ. ومعنى (حَلَّتْ رِدَاءَهَا * عليْهِ) : قَلَعَتْهُ وأَلْبَسَتْهُ إِيَّاهُ. وقولُهُ: (لم يَتَخَدَّدِ) لم يَضْطَرِبُ، مُشْتَقٌّ مِن الخَدِّ؛ لأنَّهُ إنَّما قِيلَ لهُ: خَدٌّ؛ لأنَّهُ يَضْطَرِبُ عندَ الأكلِ.