فهرس الكتاب
30 -وَخَدٌّ كَقِرْطَاسِ الشَّآمِي ومِشْفَرٌ كَسِبْتِ اليَمَانِي قَدُّهُ لَمْ يُحَرَّدِ
شَبَّهَ بَيَاضَ خَدِّها بِبَيَاضِ القِرْطَاسِ قبلَ أنْ يُكْتَبَ فيهِ. وقيلَ: أرادَ أنَّهُ عَتِيقٌ لا شَعَرَ عليهِ. والشعَرُ في الخَدِّ هُجْنَةٌ. والمرادُ أنَّهُ جُعِلَ كالقِرْطَاسِ؛ لنقائِهِ وقِصَرِ شَعَرَتِهِ.
والمِشْفَرُ مِن البَعِيرِ: كالشَّفَةِ مِن الإنسانِ. و (السِّبْتُ) : جُلُودُ البقرِ إذا دُبِغَتْ بالقَرَظِ، فإنْ لم يُدْبَغْ بالقَرَظِ فليسَ بِسِبْتٍ. وأرادَ: أنَّ مَشَافِرَها طُوَالٌ، كأنَّها نِعَالُ السِّبْتِ، وذلكَ ممَّا يُمْدَحُ بهِ. وخَصَّ السِّبْتَ لِلِينِهِ. وقولُهُ: (لم يُحَرَّدِ) ؛ أيْ: لم يُمَيَّلْ، يَصِفُ أنَّها شَابَّةٌ فَتِيَّةٌ، وذلكَ أنَّ الهَرِمَةَ والهَرِمَ تَمِيلُ مَشَافِرُهُمَا.
31 -وَعَيْنَانِ كالمَاوِيَّتَيْنِ اسْتَكَنَّتَا بِكَهْفَيْ حِجاجَيْ صَخْرَةٍ قَلْتِ مَوْرِدِ
شَبَّهَ عَيْنَيْهَا بِالمَاوِيَّتَيْنِ لِصَفَائِهِما. و (المَاوِيَّتَانِ) : المِرْآتَانِ. و (اسْتَكَنَّتَا) : حَلَّتَا في كِنٍّ. و (الكَهْفُ) : غارٌ في الجبَلِ، وهوَ هَهُنَا: غارُ العَيْنِ الذي فيهِ مُقْلَتُها. و (الحِجَاجُ) : العَظْمُ المُشْرِفُ على العيْنِ، الذي يَنْبُتُ عليهِ شَعَرُ الحاجِبِ. و (القَلْتُ) : نُقْرَةٌ في الجَبَلِ يَسْتَنْقِعُ فيها الماءُ، مُؤَنَّثَةٌ، وجَمْعُها: قِلاتٌ.
وقولُهُ: (قُلْتِ مَوْرِدِ) بَدَلٌ مِنْ (صَخْرَةٍ) ، وإذا كانَت الصخرةُ في ماءٍ كانَ أَصْلَبَ لها. والمرادُ: أنَّ صَفَاءَ عَيْنَيْهَا كصَفَاءِ ماءِ القَلْتِ. وقولُهُ: (مَوْرِدِ) أرادَ: أنَّ ماءَ المَطَرِ يَرِدُها، ولوْ وَرَدَها الناسُ لَكَدَّرُوها.
32 -طَحُورَانِ عُوَّارَ الْقَذَى فتَرَاهُمَا كَمَكْحُولَتَيْ مَذْعُورَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ
(طَحُورَانِ) ؛ أيْ: دَفُوعَانِ. يُقالُ: طَحَرَهُ ودَحَرَهُ؛ أيْ: دَفَعَهُ. وَ (العُوَّارُ) والعائِرُ: ما أَفْسَدَ العينَ مِن الرَّمَدِ. فَيَقُولُ: عينُها صَحِيحَةٌ، لا قَذَى فيها، كأنَّها قدْ طَحَرَتْهُ.
وقولُهُ: (فَتَرَاهُمَا * كَمَكْحُولَتَيْ مَذْعُورَةٍ) ، يريدُ: كَعَيْنَيْ بَقَرَةٍ مَذْعُورَةٍ. و (فَرْقَدُهَا) : وَلَدُها. وإذا كانَتْ مَذْعُورَةً مُطْفِلًا كانَ أَحَدَّ لِنَظَرِها.
33 -وَصَادِقَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ لِلسُّرَى لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
يَعْنِي أُذُنَيْهَا؛ أيْ: لا تَكْذِبُهَا إذا سَمِعَت النَّبْأَةَ. و (التَّوَجُّسُ) : التَّسَمُّعُ بحَذَرٍ. و (الهَجْسُ) : الصوتُ الخَفِيُّ. وقولُهُ: (لِلسُّرَى) ؛ أيْ: فِي السُّرَى، أوْ عِنْدَ السُّرَى. ويُقَالُ: سَرَى وأَسْرَى، إذا سَارَ بالليلِ. وقِيلَ: للنَّهَرِ: سَرِيٌّ، منْ هَذَا؛ لأنَّ الماءَ يَسْرِي فيهِ. قالَ المُبَرِّدُ: خُصَّ النَّهَرُ بهذا الاسمِ، مِنْ قولِهم: (خَيْرُ المَالِ عَيْنٌ ساهرةٌ لِعَيْنٍ نائِمَةٍ) ؛ أيْ: لا تَنَامُ وإنْ نِمْتَ عنها.
ويُرْوَى: (لِصَوْتِ مُنَدِّدِ) بالإضافةِ. و (المُنَدِّدُ) : الذي يَرْفَعُ صَوْتَهُ. والروايَةُ الجَيِّدَةُ: (صَوْتٍ مُنَدِّدِ) . والمُنَدِّدُ: صِفْةٌ للصوتِ.