فهرس الكتاب
معناهُ: إذا أَرَدْتُ وُدَّهُ ودُنُوَّهُ تَبَاعَدَ مِنِّي. وقالَ: (يَنْأَ عَنِّي ويَبْعُدِ) ومَعْنَاهُما واحدٌ، وإنَّما جاءَ بهما؛ لأنَّ اللفظيْنِ مختلفانِ، وإنَّما المعنى: يَبْعُدُ ثُمَّ يَبْعُدُ بعدَ ذلكَ.
69 -يَلُومُ وَمَا أَدْرِي عَلامَ يَلُومُنِي؟ كَمَا لامَنِي في الحَيِّ قُرْطُ بنُ أَعْبَدِ
(قُرْطٌ) : رجلٌ لامَهُ على ما لا يَجِبُ أنْ يُلامَ عليهِ. وقولُهُ: (عَلامَ) الأصلُ (عَلَى مَا) ؛ لأنَّ المعنى: على أيِّ شيءٍ يَلُومُنِي؟ إلاَّ أنَّ هذهِ الألفَ تُحْذَفُ في الاستفهامِ معَ (مَا) إذا كانَ قبلَها حرفٌ خافِضٌ؛ لِيُفْرَقَ بينَ (مَا) إذا كانَت استفهامًا، وبينَها إذا كانَتْ بمعنى: الذي. ويكونُ الحرفُ الخافِضُ عِوَضًا ممَّا حُذِفَ.
70 -وَأَيْئَسَنِي مِنْ كُلِّ خَيْرٍ طَلَبْتُهُ كَأَنَّا وَضَعْنَاهُ إِلَى رَمْسِ مُلْحَدِ
أيْ: جَعَلَنِي ذا يَأْسٍ مِن الخيرِ، فهوَ بمَنزلةِ المَوْتَى؛ إذْ كانَ لا يُرْجَى مِنهُ خيرٌ. و (الرَّمْسُ) : القَبْرُ. و (المُلْحَدُ) : اللَّحْدُ.
71 -عَلى غَيْرِ ذَنْبٍ قُلْتُهُ غَيْرَ أَنَّنِي نَشَدْتُ فَلَمْ أَغْفِلْ حَمُولةَ مَعْبَدِ
(مَعْبَدٌ) : أَخُو طَرَفَةَ. قالَ ابنُ الأعرابِيِّ: كانَ لطرَفَةَ ولأخيهِ إِبِلٌ، يَرْعَيَانِها يَومًا ويومًا. فلَمَّا أَغَبَّها طَرَفَةُ قالَ لهُ أَخُوهُ مَعْبَدٌ: لم لا تَسْرَحُ في إبلِكَ؟ كأنَّكَ تَرَى أنَّها إنْ أُخِذَتْ يَرُدُّها شِعْرُكَ هذا.
قالَ: فإنِّي لا أَخْرُجُ فيها أبدًا، حتَّى تَعْلَمَ أنَّ شِعْرِي سَيَرُدُّها إنْ أُخِذَتْ. فتَرَكَها وأَخَذَها نَاسٌ مِنْ مُضَرَ، فادَّعَى جِوارَ عَمْرٍو وقَابُوسَ ورجلٍ من اليمنِ يُقالُ لهُ: بِشْرُ بنُ قَيْسٍ. فقالَ في ذلكَ طَرَفَةُ:
* أَعَمْرَو بنَ هِنْدٍ مَا تَرَى رَأْيَ صِرْمَةٍ *
وقالَ غيرُهُ: هذهِ إِبِلٌ ضَلَّتْ لِمَعْبَدٍ، فسَأَلَ طَرَفَةُ ابنَ عَمِّهِ مالِكًا أنْ يُعِينَهُ في طَلَبِها، فلامَهُ وقالَ: فَرَّطْتَ فيها، ثُمَّ أَقْبَلْتَ تُتْعِبُ نَفْسَكَ في طَلَبِها.
ويُقَالُ: (نَشَدْتُ) الضَّالَةَ، إذا طَلَبْتَها. وأَنْشَدْتُها، إذا عَرَّفْتَها. و (الحَمُولَةُ) : التي يُحْمَلُ عليها، والحَمُولَةُ: الأحمالُ.
وقولُهُ: (فلمْ أَغْفِلْ) أرادَ: نَشَدْتُ حَمُولةَ مَعْبَدٍ فلم أغفِلْ ذلكَ. وأَعْمَلَ الفعلَ الثانِيَ، ولوْ أَعْمَلَ الأوَّلَ لقالَ: فلم أَغْفِلْهَا.
ويُرْوَى: (فلم أَغْفُلْ حَمُولَةَ مَعْبَدِ) ؛ أيْ: لم أَغْفُلْ عنْ ذلكَ. يَقُولُ: لامَنِي على غيرِ ذَنْبٍ كانَ مِنِّي إليهِ، إلاَّ أنَّنِي طَلَبْتُ حَمولةَ مَعْبَدٍ. و (غيرَ) منصوبٌ على الاستثناءِ، وهوَ استثناءٌ ليسَ مِن الأوَّلِ. و (عَلَى) يَجُوزُ أنْ تكونَ مُتَعَلِّقَةً بـ (لامَنِي) أوْ بـ (أَيْئَسَنِي) .