فهرس الكتاب
ومَنْ رَوَى: (زُرْقٌ جِمَامُهُ) رَفَعَ (زُرْقًا) على أنَّهُ خَبَرُ الابتداءِ، ويَنْوِي بهِ التأخيرَ. و (جِمَامُهُ) مرفوعٌ بالابتداءِ. والمعنى: فلَمَّا وَرَدْنَ الماءَ جِمَامُهُ زُرْقٌ. ويَجُوزُ في غيرِ الشعرِ: أَزْرَقُ جِمَامُهُ؛ لأنَّهُ بمعنى الفعلِ، يُقالُ: ازْرَقَّ جِمَامُهُ، كما تقولُ: أزْرَقُ جِمَامُهُ، وجازَ: أَزْرَقُ جِمَامُهُ، على أنَّ التقديرَ: جِمَامُهُ أَزْرَقُ؛ كما تقولُ: الجيشُ مُقْبِلٌ.
15 -وفِيهِنَّ مَلْهًى لِلَّطِيفِ ومَنْظَرٌ أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ المُتَوَسِّمِ
(مَلْهًى) ولَهْوٌ واحِدٌ، وهوَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بالابتداءِ، وإنْ شِئْتَ بالصِّفَةِ. و (اللَّطِيفُ) : المُتَلَطِّفُ الذي ليسَ معَهُ جَفاءٌ. وقيلَ: عَنَى بـ (اللَّطِيفِ) نَفْسَهُ؛ أيْ: يَتَلَطَّفُ في الوُصُولِ إليهنَّ. و (أَنيقُ) بمعنى: مُؤْنِقٌ؛ أيْ: مُعْجِبٌ. و (المُتَوَسِّمُ) : الناظِرُ بِتَفَرُّسٍ. وقيلَ: (المُتَوَسِّمُ) : الطالِبُ الوَسَامَةَ، وهيَ الحُسْنُ. ورُوِيَ عنْ مُجَاهِدٍ أنَّهُ قالَ في قولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} قالَ: هيَ الحَسَنَةُ. و (المُتَوَسِّمُ) : المُتَثَبِّتُ.
16 -سَعَى سَاعِيَا غَيْظِ بنِ مُرَّةَ بَعْدَمَا تَبَزَّلَ مَا بَيْنَ الْعَشِيرَةِ بِالدَّمِ
(السَّاعِيَانِ) : الحارِثُ بنُ عَوْفٍ، وهَرِمُ بنُ سِنَانٍ. وقيلَ: الحارِثُ بنُ عَوْفٍ، وخَارِجَةُ بنُ سِنَانٍ، سَعْيًا في الدِّيَاتِ. وقيلَ: معنى (سَعَيَا) عَمِلا عَمَلًا صالِحًا. و (غَيْظُ بنُ مُرَّةَ) مِنْ وَلَدِ عبدِ اللَّهِ بنِ غَطَفَانَ. ومعنى (تَبَزَّلَ) : تَشَقَّقَ. وهذا تمثيلٌ؛ أيْ: كانَ بينَهم صُلْحٌ فتَشَقَقَّ بالدَّمِ، فسَعَى سَاعِيَا غَيْظِ بنِ مُرَّةَ فأَصْلَحَاهُ. ويُقالُ: تَبَزَّلَ الجُرْحُ إذا تَشَقَّقَ فخَرَجَ ما فيهِ. وتَبَزَّلَ جِلْدُ فُلانٍ، إذا عَرِقَ. وبَزَلَ نابُ البَعِيرِ؛ أيْ: مَوْضِعُ نَابِهِ، وذلكَ في السَّنَةِ التاسعةِ.
17 -فأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الذي طَافَ حَوْلَهُ رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ
يعني بـ (البيتِ) : الكعبةَ. و (جُرْهُمٌ) كَانُوا وُلاةَ البيتِ قبلَ قُريشٍ، وبَغَوْا بمَكَّةَ واستَحَلُّوا حُرْمَتَها وأَكَلُوا مالَ الكعبةِ الذي يُهْدَى لها، ثمَّ لم يَتَنَاهَوْا حتَّى جَعَلَ الرجلُ منهم إذا لم يَجِدْ مكانًا يَزْنِي فيهِ دَخَلَ الكعبةَ فَزَنَى، وكانَتْ مَكَّةُ لا بَغْيَ ولا ظُلْمَ فيها، ولا يَسْتَحِلُّ حُرْمَتَها مَلِكٌ إلاَّ هَلَكَ مكانَهُ، فكانَتْ تُسَمَّى (النَّاسَّةَ) ، وتُسَمَّى (بَكَّةَ) ؛ لأنَّها تَبُكُّ أَعْنَاقَ البَغَايَا إذا بَغَوْا فيها. وقيلَ: سُمِّيَتِ النَّاسَّةَ؛ لأنَّ أَهْلَهَا كأنَّهُم يُبَّسٌ مِن العَطَشِ، كما قالَ:
* وَبَلَدٍ تُمْسِي قَطَاهُ نُسَّسَا *
18 -يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وَجِدْتُمَا عَلَى كُلِّ حالٍ مِنْ سَحِيلٍ ومُبْرَمِ
أيْ: نِعْمَ السيِّدانِ وُجِدْتُمَا حينَ تُفَاجَآنِ لأمرٍ قدْ أَبْرَمْتُمَاهُ، وأَمْرٍ لم تُبْرِمَاهُ ولم تُحْكِمَاهُ؛ أيْ: على كلِّ حالٍ مِنْ شِدَّةِ الأمرِ وسُهولتِهِ.