فهرس الكتاب
أيْ: لا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ ما في نفوسِكم، فيُؤَخَّرْ ذلكَ إلى يومِ الحسابِ فتُحَاسَبُوا بهِ، أوْ يُعَجَّلْ في الدُّنيا لكم النِّقمةُ بهِ. وقالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: (يُؤَخَّرْ) بَدَلٌ مِنْ (يَعْلَمِ) ؛ كما قالَ اللَّهُ جَلَّ وعَزَّ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} ، وكما قالَ الشاعرُ:
مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأَجَّجَا
فأَبْدَلَ (تُلْمِمْ) مِنْ (تَأْتِنَا) .
وأَنْكَرَ بعضُ النَّحْوِيِّينَ هذا، وقالَ: لا يُشْبِهُ هذا قولَهُ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ} ؛ لأنَّ مُضاعفةَ العذابِ هوَ لُقِيُّ الأثامِ، وليسَ التَّأْخِيرُ العِلْمَ، ألا تَرَى أنَّكَ تقولُ: إنْ تُعْطِنِي تُحْسِنْ إليَّ أَشْكُرْكَ، فتُبْدِلُ (تُحْسِنْ) مِنْ (تُعْطِنِي) ؛ لأنَّ العَطِيَّةَ إِحسانٌ، ولا يَجُوزُ أنْ تقولَ: إنْ تَجِئْنِي تَتَكَلَّمْ أُكْرِمْكَ، إلاَّ على بَدَلِ الغَلَطِ؛ لأنَّ التَّكَلُّمَ ليسَ هوَ المَجِيءَ، وبَدَلُ الغَلَطِ لا يَجُوزُ أنْ يَقَعَ في الشعرِ. وأجازَ سِيبَوَيْهِ إسكانَ الفعلِ للشاعرِ إذا اضْطُرَّ، يَرُدُّهُ إلى أَصْلِهِ، فيَجُوزُ على مذهَبِ سِيبَوَيْهِ أنْ يكونَ قولُهُ: (يُؤَخَّرْ) مَرْدُودًا إلى أصلِ الأفعالِ، يعني: أنَّهُ مرفوعٌ إلاَّ أنَّهُ سَكَّنَ الراءَ مِنْ (يُؤَخَّرْ) تَشْبِيهًا بقولِهِ:
* فَالْيَوْمَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبِ *
يُرِيدُ: أَشْرَبُ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ، فسَكَّنَ الباءَ. وهذا الإسكانُ إنَّما هوَ إِشْمَامٌ، لا سُكُونٌ خالِصٌ، ولا ضَمٌّ خالِصٌ.
وقالَ بعضُ النَّحْوِيِّينَ: (يُؤَخَّرْ) جوابُ النهيِ، والمعنى: فلا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ ما في نُفُوسِكُم يُؤَخَّرْ، وأجازَ: لا تَضْرِبْ زَيْدًا يَضْرِبْكَ.
29 -وما الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ وما هُوَ عنها بالحَدِيثِ المُرَجَّمِ
يقولُ: ما الحَرْبُ إلاَّ ما جَرَّبْتُم وذُقْتُمُوهُ، فإيَّاكم أنْ تَعُودُوا إلى مِثْلِها. وقولُهُ: (وما هُوَ عَنْهَا) ؛ أيْ: ما العِلْمُ عنها بالحديثِ؛ أيْ: ما الخبرُ عنها بحديثٍ يُرَجَّمُ فيهِ بالظنِّ. فقولُهُ: (هُوَ) كنايَةٌ عن العِلْمِ؛ لأنَّهُ لَمَّا قالَ: (إلاَّ ما عَلِمْتُمْ) دَلَّ على العِلْمِ. قالَ اللَّهُ تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ} المعنى: أنَّهُ لَمَّا قالَ: (يَبْخَلُونَ) دَلَّ على البُخْلِ، كقولِهِم: مَنْ كَذَبَ كانَ شَرًّا لهُ؛ أيْ: كانَ الكَذِبُ شَرًّا لهُ. و (المُرَجَّمُ) : الذي ليسَ بمُسْتَيْقَنٍ.
30 -مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً وتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
(تَبْعَثُوها) : تُثِيرُوها، و (ذَمِيمَةٌ) : مذمومةٌ. وقالَ بعضُ أهلِ اللغةِ: (فَعِيلٌ) إذا كانَ بمعنى (مفعولٍ) كانَ بغيرِ هاءٍ، كقولِكَ: (قَتِيلٌ) بمعنى: مقتولٍ. وهذا إنَّما يَقَعُ للمؤنَّثِ بغيرِ هاءٍ إذا تَقَدَّمَ الاسمُ، كقولِكَ: مَرَرْتُ بامرأةٍ قَتِيلٍ؛ أيْ: مَقْتُولَةٍ. فإنْ قُلْتَ: مَرَرْتُ بقَتِيلَةٍ، لم يَجُزْ