فهرس الكتاب
46 -فكُلاًّ أَرَاهُمْ أَصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُ عُلالَةَ أَلْفٍ بَعْدَ أَلْفٍ مُصَتَّمِ
(يَعْقِلُونَهُ) ؛ أيْ: يُؤَدُّونَ عَقْلَهُ؛ أيْ: دِيَتَهُ. و (العُلالَةُ) : الزيادةُ هنا، وأصلُهُ مِن العَلَلِ، وهوَ الشُّربُ الثاني، كأنَّهُ فاضِلٌ عن الشُّرْبِ الأوَّلِ. والعربُ تقولُ: عَرَضْتُ عيهِ عَرْضَ عَالَةٍ. و (فُعَالَةٌ) يكونُ للشيءِ اليَسِيرِ، نَحْوُ: القُلامَةِ، وما أَشْبَهَهَا. و (المُصَتَمُّ) : التَّامُّ، ويُرْوَى: (صَحِيحاتِ أَلْفٍ) .
و (كُلاًّ) منصوبٌ بإضمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ما بعدَهُ، كأنَّهُ قالَ: فأَرَى كُلاًّ. ويَجُوزُ الرفعُ على ألاَّ تُضْمِرَ، إلاَّ أنَّ النصبَ أَجْوَدُ؛ لِتَعْطِفَ فِعْلًا على فِعْلٍ؛ لأنَّ قَبْلَهُ: (ولا شَارَكَتْ في الحربِ) ، فصارَ كقولِهِ:
أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا أَمْلِكُ رَأْسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرَا
والذِّئْبَ أَخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ وَحْدِي وأَخْشَى الرِّيَاحَ والمَطَرَا
47 -ومَنْ يَعْصِ أَطْرَافَ الزِّجَاجِ فإنَّهُ مُطِيعُ العَوَالِي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ
ويُرْوَى: (يُطِيعُ العَوَالِي) . و (الزِّجَاجُ) : جمعُ زُجٍّ، وهوَ أَسْفَلُ الرُّمْحِ. و (العَوَالِي) : جمعُ عَالِيَةٍ، وهوَ أَعْلَى الرُّمْحِ. و (اللَّهْذَمُ) : الحادُّ. وهذا تمثيلٌ؛ أيْ: مَنْ لا يَقْبَلُ الأمرَ الصغيرَ يَضْطَرُّهُ إلى أنْ يَقْبَلَ الأمرَ الكبيرَ. وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: معنى هذا: أنَّ مَنْ لا يَقْبَلُ الصُّلْحَ، وهوَ الزُّجُّ الذي لا يُقاتَلُ بهِ، فإنَّهُ يُطِيعُ الحَرْبَ، وهوَ السِّنَانُ الذي يُقَاتَلُ بهِ.
48 -وَمَنْ يُوفِ لا يُذْمَمْ ومَنْ يُفْضِ قَلْبُهُ إلى مُطْمَئِنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَمِ
يقالُ: وَفَى، و (أَوْفَى) أَكْثَرُ. وقولُهُ: (ومَنْ يُفْضِ قَلْبُهُ) ؛ أيْ: يَصِيرُ. و (مُطْمَئِنُّ البِرِّ) : خالِصُهُ. و (لا يَتَجَمْجَمِ) ؛ أيْ: لا يَتَرَدَّدُ في الصُّلْحِ. و (يُوفِ) مجزومٌ بالشرطِ، والجوابُ قولُهُ: (لا يُذْمَمْ) . ولم تَفْصِلْ (لا) بينَ الشرطِ وجوابِهِ كما لم تَفْصِلْ بينَ النعتِ والمنعوتِ في قولِكَ: مَرَرْتُ برجلٍ لا جالسٍ ولا قائمٍ. وإنَّما خُصَّتْ (لا) بهذا؛ لأنَّها تُزادُ للتأكيدِ، كما قالَ جلَّ وعَزَّ: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ} المعنى: أنْ تَسْجُدَ.
49 -وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنَايَا يَنَلْنَهُ ولوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
ويُرْوَى:
ومَنْ يَبْغِ أَطْرَافَ الرِّمَاحِ يَنَلْنَهُ ولوْ رَامَ أنْ يَرْقَى السماءَ بِسُلَّمِ