فهرس الكتاب
يقولُ: مَنْ تَعَرَّضَ للرماحِ نَالَتْهُ. و (رامَ) معناهُ: حَاوَلَ. و (الأسبابُ) : النَّوَاحِي، وإنَّما عَنَى بها مَنْ يَهَابُ كَراهةَ أنْ تَنَالَهُ؛ لأنَّ المَنايَا تَنَالُ مَنْ يَهَابُها ومَنْ لا يَهَابُها. ونظيرُ هذا قولُهُ عَزَّ وجَلَّ: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ} ، والموتُ يُلاقِي مَنْ فَرَّ ومَنْ لم يَفِرَّ. فيُقالُ: كيفَ خُوطِبُوا بهذا، وأنتَ إذا قُلْتَ: الذي يَجِيئُكَ فأَكْرِمْهُ، فإنَّما يَقَعُ الإكرامُ مِنْ أَجْلِ المجيءِ؟ والجوابُ عنْ هذا: أنَّهُ إنَّما عَنَى بهِ: مَنْ يَفِرُّ لِئَلاَّ يُلاقِيَهِ الموتُ. وهذا معنى قولِ سِيبَوَيْهِ.
50 -وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَ عَنْهُ ويُذْمَمِ
(يَكُ) مجزومٌ بالشرطِ، وحذَفَ النونَ -والأصلُ يَكُنْ- لكثرةِ الاستعمالِ، وأنَّها مُضارِعَةٌ لحروفِ المدِّ واللِّينِ؛ ألا تَرَاها تُحْذَفُ في التثنيَةِ والجمعِ، كما تُحْذَفُ حُرُوفُ المدِّ واللِّينِ، في قولِكَ: لم يَضْرِبَا، ولم يَضْرِبُوا؟ فكذلكَ حُذِفَتْ في قَوْلِهِ: (ومَنْ يَكُ ذَا فَضْلٍ) . وقولُهُ: (فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ) معطوفٌ على (يَكُ) ، والجوابُ في قَوْلِهِ: (يُسْتَغْنَ عنهُ) . و (يُذْمَمِ) معطوفٌ عليهِ.
51 -ومَنْ لا يَزَلْ يَسْتَرْحِلُ الناسَ نَفْسَهُ ولا يُعْفِهَا يَوْمًا مِن الذُّلِّ يَنْدَمِ
ويُرْوَى: (ومَنْ لا يَزَلْ يَسْتَحْمِلُ الناسَ نَفْسَهُ) . فمَنْ رَوَى: (يَسْتَرْحِلُ) أرادَ: يَجْعَلُ نفسَهُ كالراحِلَةِ للناسِ يَرْكَبُونَهُ ويَذُمُّونَهُ. ومَنْ رَوَاهُ: (يَسْتَحْمِلُ الناسَ) أرادَ: يَحْمِلُ الناسَ على عَيْبِهِ. قالَ المَازِنِيُّ: قالَ لي أَبُو زَيْدٍ: قَرَأْتُ هذهِ القصيدةَ على أبي عَمْرِو بنِ العلاءِ، فقالَ لي: قَرَأْتُ هذهِ القصيدةَ مُذْ خَمْسُونَ سَنَةً، فلم أَسْمَعْ هذا البيتَ إلاَّ مِنْكَ.
52 -ومَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ ومَنْ لا يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لا يُكَرَّمِ
(يَغْتَرِبُ) : يَبْعُدُ عنْ قومِهِ، يُقالُ: رجلٌ غَرِيبٌ وغُرُبٌ، ورجُلٌ جانِبٌ وجَنِيبٌ، ويقالُ: غَرِيبٌ أَجْنَبِيٌّ، ومعناهُ: تَضْطَرُّهُ الحاجةُ إلى البَعِيدِ منهُ.
53 -وَمَنْ لا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ ومَنْ لا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
(يَذُدْ) : يَدْفَعْ ويَطْرُدْ. قيلَ: المعنى: مَنْ لا يَمْنَعْ عنْ عَشِيرَتِهِ يَذِلَّ. قالَ الأَصْمَعِيُّ: مَنْ مَلأَ حَوْضَهُ، ثمَّ لم يَمْنَعْ منهُ، غُشِيَ وهُدِّمَ. وهوَ تمثيلٌ؛ أيْ: مَنْ لانَ للناسِ ظَلَمُوهُ واسْتَضَامُوهُ.
54 -ومَنْ لا يُصَانِعْ في أُمُورٍ كَثِيرَةٍ يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ ويُوطَأْ بِمَنْسِمِ
(يُصَانِعُ) : يَتَرَفَّقُ ويُدَارِي. و (يُضَرَّسُ) : يُمَضَّغُ بِضَرْسٍ. و (يُوطَأْ بمَنْسِمِ) معناهُ: يَذِلُّ.
55 -ومَنْ يَجْعَل المَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ يَفِرْهُ ومَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ