الصفحة 96 من 214

ويُرْوَى: (حَتَّى إذَا سَلَخَا جُمَادَى كُلَّهَا) ، يعني العَيْرَ والأَتَانَ خَرَجَا منها. و (جُمَادَى) : شِدَّةُ القُرِّ. وكذلكَ كانَ الشتاءُ في ذلكَ الزمانِ، وفيها كانَ يكونُ أوَّلُ المَطَرِ. فيقولُ: لَمَّا خَرَجَ عنهما كَلَبُ البَرْدِ، وأَنْبَتَت الأرضُ اسْتَقْبَلا الجَزْءَ فَصَامَا عن الماءِ؛ أيْ: عن الانتجاعِ في طَلَبِ الماءِ؛ لأنَّهما قد اكْتَفَيَا بالرُّطْبِ. ويقالُ: طالَ قِيَامُهُمَا يُفَكِّرَانِ: أينَ يَرِدَانِ بعدَ فَنَاءِ الرُّطْبِ؟ والبيتُ الثاني يُبَيِّنُ هذا المعنَى.

ومعنى قولِهِ: (جُمَادَى سِتَّةً) على ما ذَكَرَ الأَصْمَعِيُّ، جَعَلَ الشتاءَ كُلَّهُ جُمَادَى؛ لأنَّ الماءَ يَجْمُدُ فيهِ، وأَنْشَدَ:

إذَا جُمَادَى مَنَعَتْ قَطْرَهَا زَانَ جَنَابِي عَطَنٌ مُعْصِفُ

ويُرْوَى: (جُمادَى سِتَّةٍ) و (جُمَادَى حِجَّةٍ) . وقالَ أبو عُبَيْدَةَ: يعني جُمَادَى بعينِها. فالمعنَى على هذا القولِ: جُمادَى تَمَامُ سِتَّةٍ، كما تقولُ: اليومُ خمسةَ عشَرَ يومًا؛ أيْ: تَمَامُ خمسةَ عشَرَ يومًا. والمعنى: أنَّهُ قَدَّرَ جُمَادَى انقضاءَ السَّنَةِ، فلَمَّا انْقَضَى الشتاءُ (جَزَأَا) ؛ أي: اكْتَفَيَا بالرُّطْبِ؛ لأنَّهما إذا أَكَلاهُ اسْتَغْنَيَا عن الماءِ.

ومَنْ رَوَى (جُزْءًا) جَعَلَ هذهِ الشهورَ جُزْءًا، ونَصَبَ (جُزْءًا) على البيانِ. والجُزْءُ: الوقتُ الذي يَتَجَزَّأُ فيهِ بالرُّطْبِ عن الماءِ. وقالَ أبو الحَسَنِ: قالَ قومٌ: هذا غَلَطٌ؛ لأنَّ الجُزْءَ إنَّما يكونُ شَهْرَيْنِ. وقالَ أبو الحَسَنِ: قالَ بُنْدَارٌ: أرادَ جُمَادَى الآخِرَةَ؛ أيْ: ستَّةَ أَشْهُرٍ منْ أوَّلِ السنَةِ، ونَصَبَ (سِتَّةً) على الحالِ، كأنَّهُ قالَ: تَتِمَّةَ سِتَّةٍ، فجَعَلَ جُمَادَى وَقْتًا لانقطاعِ الحَرِّ، وعلى هذا يَصِحُّ البيتُ.

29 -رَجَعَا بِأَمْرِهِمَا إِلَى ذِي مِرَّةٍ حَصِدٍ وَنُجْحُ صَرِيمةٍ إِبْرَامُهَا

(المِرَّةُ) : القُوَّةُ؛ أيْ: رَجَعَا بأَمْرِهِما إلى رأيٍ قَوِيٍّ؛ أيْ: عَزَمَا على وُرُودِ الماءِ بعدَ طُولِ قِيَامِهِما. و (الحَصِدُ) : المُحْكَمُ. و (الصَّرِيمَةُ) : العَزِيمَةُ، كأنَّهُ قَطَعَ الأمرَ. وأصلُ الصَّرْمِ: القَطْعُ. وقولُهُ: (ونُجْحُ صَرِيمَةٍ إِبْرَامُهَا) ؛ أيْ: نَجَاحُ الأمرِ في إبرامِهِ؛ أيْ: إحكامِهِ.

30 -وَرَمَى دَوَابِرَهَا السَّفَا وَتَهَيَّجَتْ رِيحُ المَصَايِفِ سَوْمُهَا وَسَهَامُهَا

(الدَّوَابِرُ) : مَآخِيرُ الحوافِرِ، واحِدَتُها: دَابِرَةٌ. و (السَّفَا) : سَفَا البُهْمَى، وهوَ كَشَوْكِ السُّنْبُلِ، وهوَ يَجِفُّ إذا جاءَ الصيفُ، واحدتُهُ: سَفَاةٌ. (المَصَايِفُ) : جَمْعُ مَصِيفٍ. و (سَوْمُهَا) بَدَلٌ مِنْ (الرِّيحُ) ، و (سَهَامُهَا) معطوفٌ عليهِ. وقِيلَ: (سَوْمُها) : حَرُّها. وقيلَ: مَرُّهَا. وقِيلَ: اختلافُ هُبُوبِها، وهذا أصحُّ الأقوالِ؛ لأنَّ أبا زَيْدٍ حَكَى أنَّهُ يُقالُ: سَوَّمَ الرَّجُلُ يُسَوِّمُ، إذا قاتَلَ القومَ ففَرَّقَهُم يَمينًا وشِمالًا.

وقالَ أبو العَبَّاسِ: قَالَ أهلُ النظَرِ في قولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ} ، هيَ المُهْمَلَةُ، كأنَّها قدْ تُرِكَتْ تَرْعَى حيثُ شَاءَتْ. ومنهُ: سَامَنِي فُلانٌ في البَيْعِ، إذا صَرَفَكَ كذا مَرَّةً وكذا مَرَّةً. ومنهُ: أَبَى فلانٌ أنْ يُسَامَ خُطَّةَ ضَيْمٍ. و (السَّهامُ) : الريحُ الحارَّةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت