فهرس الكتاب
31 -فَتَنَازَعَا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخَانِ مُشْعَلَةٍ يُشَبُّ ضِرَامُهَا
أيْ: فَتَنَازَعَ العَيْرُ والأَتَانُ. (سَبِطًا) يعني: غُبَارًا مُمْتَدًّا. و (مُشْعَلَةٌ) : نارٌ قد اشْتَعَلَتْ. (يُشَبُّ) : يُوقَدُ ويُرْفَعُ. و (الضِّرَامُ) : ما دَقَّ مِن الحَطَبِ. يَصِفُ سُرْعَةَ نَاقَتِهِ حتَّى شَبَّهَها بهذا الحِمَارِ الذي يَطْلُبُ الأتانَ، وهيَ تَهْرُبُ منهُ، وقدْ أَثَارَا غُبَارًا مُمْتَدًّا. (يَطِيرُ ظِلالُهُ) ؛ أيْ: ما أَظَلَّ منهُ وغَطَّى الشمسَ.
32 -مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنَابِتِ عَرْفَجٍ كَدُخَانِ نَارٍ سَاطِعٌ أَسْنَامُهَا
(مَشْمُولَةٍ) مِنْ نَعْتِ (مُشْعَلَةٍ) ؛ أيْ: نارٍ قدْ أَصَابَتْهَا الشَّمالُ، فهيَ تَلْتَهِبُ. و (غُلِثَتْ) ؛ أيْ: خُلِطَ ما أُوقِدَتْ بهِ. (بِنَابِتِ عَرْفَجٍ) ؛ أيْ: بِغَضِّهِ وطَرِيِّهِ، فهوَ أَكْثَرُ لِدُخَانِها. و (النَّابِتُ) : الحديثُ. و (إِسْنَامُهَا) : إشرافُها، يُقالُ: أَسْنَمَهَا يُسْنِمُها. و (أَسْنَامُهَا) بفتحِ الهمزةِ يعني: جَمْعَ سَنِمٍ. ويقالُ: تَسَنَّمَ، إذا عَلا، ومنهُ: السَّنَامُ. وقيلَ في قولِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: {وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ} : إنَّهُ أَعْلَى شَرَابٍ في الجنَّةِ. وقِيلَ: إنَّ شرابَ الجَنَّةِ يُمْزَجُ لبعضِهم مِنْ تَسْنِيمٍ، وهوَ نَهَرٌ عالٍ، وإنَّ بعضَهم يَشْرَبُهُ صِرْفًا.
33 -فَمَضَى وَقَدَّمَهَا وَكَانَتْ عَادةً مِنْهُ إِذَا هِيَ عَرَّدَتْ إِقْدَامُهَا
يقولُ: مَضَى الحِمَارُ وقَدَّمَ الأتانَ؛ لِكَيْلا تَعْنُدَ عليهِ. و (عَرَّدَتْ) : تَرَكَت الطريقَ وعَدَلَتْ منهُ. وأصلُ التَّعْرِيدِ: الفِرَارُ. وقالَ: (وَكانَتْ) فأَنَّثَ، و (الإِقْدَامُ) مُذَكَّرٌ، فزَعَمَ الكُوفِيُّونَ أنَّهُ لَمَّا أَوْلَى (كَانَ) خَبَرَها وفَرَّقَ بينَها وبينَ اسْمِها، تَوَهَّمَ التأنيثَ فأَنَّثَ. وكانَ الكِسَائِيُّ يُجِيزُ: كانَتْ عادَةً حَسَنَةً عَطَاءُ اللَّهِ، وكانَتْ رَحْمَةً المَطَرُ البارِحَةَ. وكانَ يقولُ: إذا كانَ خَبَرُ (كانَ) مُؤَنَّثًا واسمُها مُذَكَّرًا، وأَوْلَيْتَها الخبَرَ، فمِن العَرَبِ مَنْ يُؤَنِّثُ، كأنَّهُ يَتَوَهَّمُ أنَّ الاسمَ مُؤَنَّثٌ إذا كانَ الخبرُ مُؤَنَّثًا.
وقالَ غيرُ الكِسَائِيِّ: إنَّما بَنَى كَلامَهُ على (وكانَتْ عَادَةً تَقدِمَتُهَا) ؛ لأنَّ التَّقْدِمَةَ مَصْدَرُ قَدَّمَهَا، إلاَّ أنَّهُ انْتَهَى إلى القافِيَةِ، فلم يَجِد التَّقْدِمَةَ تَصْلُحُ لها، فقالَ: (إِقْدَامُهَا) . واحْتَجَّ بقولِ الشاعِرِ:
أَزَيْدَ بنَ مَصْبُوحٍ فَلَوْ غَيْرُكُمْ جَنَى غَفَرْنَا وكانَتْ مِنْ سَجِيَّتِنَا الغَفْرُ
زَعَمَ الكِسَائِيُّ أنَّهُ أَنَّثَ (كانَتْ) ؛ لأنَّهُ أرادَ: كانَتْ سَجِيَّةً مِنْ سَجَايَانَا الغَفْرُ. وقالَ الذي خَالَفَهُ: بلْ بَنَى على المغفرةِ، فانْتَهَى إلى آخِرِ البيتِ، والمَغْفِرَةُ لا تَصْلُحُ لهُ، فقالَ: (الغَفْرُ) ؛ لأنَّ الغَفْرَ والمَغْفِرَةَ مَصْدَرَانِ. والأُتُنُ لا تَتَقَدَّمُ، حتَّى يَتَقَدَّمَ الفَحْلُ إلى الماءِ، فيَشْرَبَ ويَنْظُرَ: هلْ يَرَى بالماءِ شَيْئًا يَرِيبُهُ؟