فهرس الكتاب
فإنه أكد قوله تتبعه بقوله اتباعا وإتباع افتعال وهو في الحقيقة مصدر اتبع وقياسه ان يقول تتبعا ولكن لما كان معنى تتبع واتبع واحدا أكد كل واحد منهما بمصدر صاحبه وقال رؤبة: * وقد طويت انطواء الحضب * الحضب بالحاء غير المعجمة الحية لأن طويت وانطويت في المعنى واحد وهكذا كل مصدرين يرجعان إلي معنى واحد فهذه المصادر أكثر النحويين يعمل فيها الفعل المذكور لاتفاقهما في المعنى وهو رأي أبى العباس المبرد والسيرافي وبعضهم يضمر لها فعلا من لفظها فيقول التقدير اجتوروا فتجاوروا تجاورا وتجاوروا فاجتوروا اجتوارا وكذلك قوله تعالى (أنبتكم من الأرض نباتا) أي أنبتكم فنبتم نباتا فتكون هذه المصادر منصوبة بفعل محذوف دل عليه الظاهر وهو مذهب سيبوبه وإما (الضرب الثاني وهو مالا يلاقى الفعل في الاشتقاق) بان يكون من غير لفظه وان كان معناهما متقاربا نحو قولك شنئته بغضا وأبغضته كراهة وقعدت جلوسا وحبست منعا فأكثر النحويين يجيز ان يعمل الفعل في مصدر الآخر وان لم يكن من لفظه لاتفاقهما في المعنى نحو أعجبني الشئ حبا لإنه إذا أعجبك فقد أحببته قال الشاعر:
يعجبه السخون والبرود... والتمر حبا ماله مزيد
وقالوا رضته إذلالا وذهب الآخرون إلى ان الفعل لا يعمل في شئ من المصادر إلا أن يكون من لفظه نحو قمت قياما لأن لفظه يدل عليه إذا كان مشتقا منه وما كان مما تقدم ذكره نحو قعدت جلوسا وحبست منعا فهو منصوب بفعل مقدر دل عليه الظاهر فكأنك قلت قعدت فجلست جلوسا وحبست فمنعت منعا وكذلك كل ما كان من هذا الباب وهو رأى سيبوبه لأن مذهبه إنه إذا جاء المصدر منصوبا بعد فعل ليس من حروفه كان انتصابه باضمار فعل من لفظ ذلك المصدر فاما قولهم (ضربته أنواعا من الضرب وأي ضرب وأيما ضرب) فهذه تعمل فيها الأفعال التحى قبلها بلا خلاف وانتصابها على المصدر والحق فيها أنها صفات قد حذفت موصوفاتها فكإنه إذا قال ضربته أنواعا من الضرب فقد قال ضربته ضربا متنوعا أي مختلفا وإذا قال أي ضرب وأيما ضرب فقد قال ضربته ضربا أي ضرب وأيما ضرب علي الصفة ثم حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه وإما (رجع القهقرى وأشتمل الصماء وقعد القرفصاء) فقد قال سيبوبه أنها مصادر وهي منصوبة بالفعل قبلها لأن القهقرى موع من الرجوع فإذا تعدي إلي المصدر الذي هو جنس عام متعديا إلي النوع إذا كان داخلا تحته وكذلك القرفصاء نوع من القعود وهي قاعدة المجتبي والصماء ان يلقي طرف ردائه الأيمن علي عاتقه الأيسر وقال أبو العباس هذه حلي وتلقيبات وصفت بها المصادر ثم حذفت موصوفاتها فإذا قال رجع القهقرى فكإنه قال الرجعة القهقرى وإذا قال اشتمل الصماء فكإنه قال الأشتمالة الصماء وإذا قال قعد القرفصاء فكإنه قال القعدة القرفصاء والفرق بين انتصابه إذا كان صفة وبين انتصابه إذا كان مصدرا وان كان العامل الفعل في كلا الحالين ان العامل فيه إذا كان مصدرا عمل بمباشرة غير واسطة وإذا كان صفة عمل فيه بواسطة الموصوف المقدر وإما (ضربته سوطا) فهو منصوب علي المصدر وليس مصدرا في الحقيقة وإنما هو آلة للضرب فكان التقدير ضربته ضربة بالسوط فموضع قولك بالسوط نصب صفة لضربة ثم حذفت الموصوف