فهرس الكتاب
قال الشارح: إنما يقال هذا لمن يكثر منه ذلك الفعل ويواصله فاستغني بدلالة المصدر عن إظهاره وليس ذلك مما يختص بالمخاطب بل تستعمله في الأخبار عن الغائب كما تستعمله في المخاطب فتقول زيد سيرا سيرا إذا أخبرت عنه بمثل ذلك المعني وتقول أنت الدهر سيرا سيرا وأنت هذا اليوم سيرا سيرا وكان عبد الله سيرا سيرا إذا أخبرت بشئ متصل بعضه ببعض وان رفعت وقلت ما أنت إلا سير سير علي معني ما أنت إلا صاحب سير وحذفت الصاحب وأقمت السير مقامه لم يدل علي كثره ومواصله كما دل النصب إنما أخبرت إنه صاحب سير لا غير وأعلم انك إذا رفعت كان علي وجهين أحدهما ان يكون علي حذف مضاف وهو صاحب علي ما تقدم والثاني ان تجعله نفس السير والقتل لما كثر ذلك منه توسعا ومجازا كما يقال رجل عدل ورضي إذا كثر عدله والرضي عنه كما يقال:
ترتع ما غفلت حتي إذا إذ كرت... فإنما هي إقبال وإدبار
جعلها نفس الإقبال والإدبار مبالغة وتوسعا فالرفع ذلك كله علي ما ذكرت لك والنصب علي تقدير فعل مضمر لا يظهر إذ قد صار المصدر بدلا منه فقولك (إنما أنت سيرا سيرا وما أنت إلا قتلا قتلا) معناه تسير سير سير وتقتل قتلا قتلا وقوله (إلا سير البريد والا ضرب الناس والا شرب الإبل) معناه ما أنت إلا تسير سيرا مثل البريد وما أنت إلا تشرب شربا مثل شرب الإبل ثم حذف الموصوف وأقام الصفة مقامه ثم حذف المضاف وهو مثل وأقام المضاف إليه مقامه علي حد واسأل القرية وهذا الحذف والإضمار وان كثر فهو فاش في كلام العرب مطرد واما ضرب الناس فتقديره ما أنت إلا تضرب الناس ضربا ويجوز في هذا وحدة التنوين ونصب الناس لإنه مصدر مضاف إلي مفعول ولا يكون مضافا إلي الفاعل لإنه يصير معناه يضربه مثل ضرب الناس وهو من الناس إلا أن يريد ان يضربه الضرب المعهود المتعارف فحينئذ يقول يكون من قبيل شرب الإبل وسير البريد واما قوله تعالي (فاما من بعد واما فداء) فالمعني فاما ان تمنوا منا واما ان تفدوا فداء فهما مصدران منصوبا بفعل مضمر واما قولهم (مررت فإذا له صوت صوت حمار والخ) فهو منصوب وفي نصبه وجهان أحدهما ان يكون منصوبا بالمصدر المذكور إذا كان في معني الفعل وذلك ان قولنا له صوت في معني يصوت فالمصدر نائب عن الفعل وانتصاب صوت حمار علي هذا إما علي المصدر واما علي الحال وعلي كلا الوجهين في صوت الحمار معني التشبيه فإذا نصبته علي المصدر فتقديره فإذا هو يصوت تصويتا مثل صوت حمار ثم حذفت علي ما ذكرنا متقدما وإذا كان حالا فتقديره فإذا هو مشبها صوت حمار أو ممثلا صوت حمار والوجه الثاني ان يكون نصبه باضمار فعل يجوز ان يكون الفعل من لفظ الصوت ويجوز ان يكون من غير لفظه فإذا كان من لفظه فتقديره فإذا له صوت يصوت صوت حمار ويكون نصب صوت حمار علي المصدر أو علي الحال نحو ما تقدم وإذا قدرت الفعل العامل من غير لفظ الأول لم يكن نصب صوت حمار إلا علي الحال لا غير كأنك قلت له صوت يخرجه صوت حمار أو يمثله صوت حمار ومثله (له صراخ صراخ الثكلي وله دق دقك بالمنحاز حب القلقل) والمنحاز الهاوون والقلقل بالكسر وقافين حب أسود وهو اصلب ما يكون من الحبوب والعامة تقول فلفل بالضم والفاء وهو تصحيف منهم والكلام عليها كالكلام في المسألة المتقدمة