فهرس الكتاب
والفرق بين النصب والرفع أنك إذا رفعتها فكأنك ابتدأت شيئا قد ثبت عندك واستقر وفيها ذلك المعني أعني الدعاء كما ان حسبك فيه معني النهي وإذا نصبت كنت ترجاه في حال حديثك وتعمل في إثباته فاعرفه *
(فصل) قال صاحب الكتاب (وقد تجري وقد تجري أسماء غير مصادر ذلك المجري وهي علي ضربين جواهر نحو قولهم ضربا وجندلا وفاها لفيك وصفات نحو قولهم هنيئا مريئا وعائذا بك وأقائما وقد قعد الناس وأقاعدا وقد سار الركب) .
قال الشارح: أعلم ان الأسماء علي ضربين جواهر ومعان والمراد بالجواهر في عرف النحويين الشخوص والأجسام المتشخصة والمعاني هي المصادر كالعلم والقدرة فكما نصبوا أشياء من المصادر بفعل متروك إظهاره نحو ما تقدم من نحو سقيا ورعيا وحنانيك ولبيك وويله وويحه وما أشبه ذلك مما دعي به من المصادر فكذلك أجروا أشياء من الجواهر غير المصادر مجراها فنصوبها نصبها علي سبيل الدعاء وذلك نحو قولهم (ترباك وجندلا) ومعناه ألزمك الله أو أطعمك الله تربا أي ترابا وجندلا أي صخرا واختزل الفعل ههنا لأنهم جعلوه بدلا من قولك تربت يداك وجندلت فان أدخلت لك ههنا وقلت تربا لك وجندلا لك كان دخولها كدخولها في سقيا لك لبيان من تعني بالدعاء فان علم الداعي إنه قد علم من يعني جاز ان لا يأتي به لظهوره وربما جاء به مع العلم تأكيدا وان لم يعلم المعني بالدعاء فلابد من الإتيان به وربما رفعت العرب هذا فقالوا ترب له فرفعه بالابتداء قال الشاعر:
لقد ألب الواشون ألبا لبينهم... فترب لأفواه الوشاة وجندل
وترب مبتدأ والخبر لأفواه الوشاة وفيه معني المنصوب في الدعاء كما كان في قولك سلام عليكم معني الدعاء واما قولهم (فلها لفيك) فقد حكي أبو زيد فلها لفيك بمعني الخيبة لك وأنشد لرجل من بلهجيم وهو أبو سدرة الاسدي:
فقلت له فلها فليك فإنها... قلوص امرئ قاريك ما أنت حاذره
وإنما يعنون به فم الداهية فالضمير يعود علي الداهية يدل علي ذلك قوله:
وداهية من دواهي المنو... ن يحسبها الناس لا فالها
وفاها منصوب بمنزلة تربا وجندلا كأنك قلت تربا لفيك وإنما يخصون الفم بذلك لأن أكثر المتالف فيما يأكله الإنسان ويشربه وصار فاها بدلا من اللفظ بقولك دهاك الله وإنما قلنا بدلا من هذا اللفظ تقريبا لأن فم الداهية في التقدير فقدر الفعل المتصرف من الداهية وليس القصد إلا تقدير فعل ناصب ليس شيئا معينا لا يتجاوز وإنما يقصد ما يلائم المعني ويقارب اللفظ وقالوا (هنيئا مريئا) وهما صفتان تقول هذا الشئ شئ هنئ مرئ كما تقول هذا رجل جميل صبيح ونحوهما مما هو علي فعيل من الصفات ولم يأت من الصفات ما يدعي به إلا هذان الحرفان وليسا بمصدرين إنما هما من أسماء الجواهر كالتراب والجندل وانتصابهما بفعل مقدر تقديره ثبت لك ذلك هنيئا مريئا فتكون حقيقة نصبه علي الحال وذلك تقوله لشئ تراه عنده مما يأكل أو يستمتع به علي سبيل الدعاء بلفظ الخبر كما تقول رحمة الله ثم حذف