فهرس الكتاب
معنى ولا خلاف ان عامل الفاعل لفظى فان قيل ولم كان حق الفاعل ان يكون مرفوعا فالجواب عن ذلك من وجوه أحدها ان الفاعل رفع للفرق بينه وبين المفعول الذى لولا الإعراب لجاز ان يتوهم إنه فاعل وكان الغرض اختصاص كل واحد منها بعلامة تميزه عن صاحبه وكان زمام هذا الأمر بيد الواضع. وثانيها ان الفاعل انما اختص بالرفع لقوته والمفعول بالنصب لضعفه والمعنى بقوة الفاعل تمكنه بلزومه الفعل وعدم استغناء الفعل عنه وليس المفعول كذلك بل يجوز سقوطه وحذفه إلا ترى انك تقول ضرب زيد ويكون الكلام مستقلا وان لم تذكر مفعولا ولو أخذت تحذف الفاعل ولم تقم مقامه شيئا نحو ضرب زيدا من غير فاعل لم يكن كلاما وإذا كان الفاعل أقوى والمفعول أضعف والضمة أقوى من الفتحة لأن الضمة من الواو ولا يمكن ذلك في الألف لسعة مخرجها ومخرج الحرف كلما اتسع ضعف الصوت الخارج منه وإذا ضاق صلب الصوت وقوى فناسبوا بان أعطوا الاقوى والاضعف الاضعف ووجه ثالث ان الفاعل أقل من المفعول إذ الفعل لا يكون له الافاعل واحد وقد يكون له مفعولات كثيرة نحو ضرب زيد عمرا وأعطيت زيدا درهما وأعلمت زيدا عمروا خير الناس فيتعدى إلى مفعول واحد والى اثنين والى ثلاثة ولك وان تأتى بالمصدر بعد ذلك والظرف من الزمان والظرف من المكان والمفعول له والمفعول معه والحال والإستثناء والضمة أثقل من الفتحة فاعطوا الفاعل الذى هو قليل الرفع الذى هو ثقيل وأعطوا المفعول الذى هو كثير النصب الذى هو خفيف وانما فعلوا ذلك لوجهين. أحدهما ليقل في كلامهم ما يستثقلون وهو الضمة والثانى أنهم خصموا الفاعل بالرفع والمفعول بالنصب ليكون ذلك عدلا في الكلام فيكون ثقل الرفع موازيا لقلة الفاعل وخفة النصب موازية لكثرة المفعول ومثله مثل من نصب بين يديه حجران أحدهما خمسة أرطال والآخر عشرة أرطال ثم قيل له عالج ان شئت الخفيفة عشر مرات وان شئت عالج الثقيل خمس مرات فتكون كثرة ممارسة الخفيف موازية لقلة ممارسة الثقيل فيكون ذلك جاريا على منهاج الحكمة والعدل فاعرفه.
قال صاحب الكتاب (والأصل ان يلى الفعل لإنه كالجزء منه فإذا قدم عليه غيره كان في النية مؤخرا ومن ثم جاز ضرب غلامه زيد وامتنع ضرب غلامه زيدا) .
قال الشارح: أعلم ان القياس في الفعل من حيث هو حركة الفاعل في الأصل ان يكون بعد الفاعل لأن وجوده قبل وجود فعله لكنه عرض للفعل ان كان عاملا في الفاعل والمفعول لتعلقهما به واقتضائه إياهما وكانت مرتبة العامل قبل المعمول فقدم الفعل عليهما لذلك وكان العلم باستحقاق تقدم الفاعل على فعله من حيث هو موجده ثانيا فأغنى أمن اللبس فيه وضع اللفظ عليه فلذلك قدم وكان الفاعل لازما يتنزل منزلة الجزء منه بدليل إنه لا يستغنى عنه ولا يجوز إخلاء الفعل عن فاعل ولذلك إذا اتصل به ضميره أسكن آخره نحو ضربت وضربنا وضربتم على ما سنذكر في الفصل الذى بعده وقد تقدم من الدليل في شرح الخطبة على شدة اتصال الفاعل بالفعل واختلاطه به ما فيه مقنع وإذا كان الفاعل كالجزء من الفعل وجب ان يترتب بعده ولهذا المعنى لا يجوز ان يتقدم عليه كما لا يجوز تقديم حرف من