فهرس الكتاب
قوله (( غصبتهما القرار على الرفع ) )وقوله (( المجردان للإسناد ) )يريد بذلك انك إذا قلت زيد فتجرده من العوامل اللفظية ولم تخبر عنه بشيء كان بمنزلة صوت تصوته لا يستحق الإعراب لأن الإعراب إنما أتي به للفرق بين المعاني وإذا أخبرت عن الإسم بمعنى من المعاني المفيدة احتيج إلى الإعراب ليدل على ذلك المعنى فاما إذا ذكرته وحده ولم تخبر عنه كان بمنزلة صوت تصوته غير معرب وقوله (( وكونهما مجردين للإسناد هو رافعهما لإنه معنى قد تناولهما معا تناولا واحدا ) )إشارة إلى ان العامل في المبتدأ والخبر تجريدهما من العوامل اللفظية وهي مسئلة قد اختلف فيها العلماء (( فذهب الكوفيون ) )إلى ان المبتدأ يرفع الخبر والخبر يرفع المبتدأ فهما يترافعان قالوا وإنما قلنا ذلك لانا وجدنا المبتدأ لابد له من خبر والخبر لابد له من مبتدأ فلما كان كل واحد منهما لا ينفك من الآخر ويقتضي صاحبه عمل كل واحد منهما في صاحبه مثل عمل صاحبه فيه قالوا ولا يمتنع الشيء ان يكون عاملا ومعمولا في حال واحدة وقد جاء لذلك نظائر منها قوله تعالى (أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى) فنصب أيا بتدعوا وجزموا تدعوا بأي فكان كل واحد منهما عاملا ومعمولا في حال واحدة ومثله قوله تعالى (أينما تكونوا يدرككم الموت) فأينما منصوب بتكونوا لإنه الخبر وتكونوا مجزوم بأينما وذلك كثير في كلامهم فكذلك ههنا وهو فاسد لإنه يؤدي إلى محال وذلك ان العامل حقه ان يتقدم على المعمول وإذا قلنا أنهما يترافعان وجب ان يكون كل واحد منهما قبل الآخر وذلك مجال لإنه يلزم ان يكون الإسم الواحد أولا وآخرا في حال واحدة ومما يؤيد فساد ما ذهبوا إليه جواز دخول العوامل اللفظية عليهما نحو كان زيد أخاك وان زيدا أخوك وظننت زيدا أخاك فلو كان كل واحد منهما عاملا في الآخر لما جاز ان يدخل عليه عامل غيره وإما الآيات التي أوردوها فان الجواب عنها من وجهين أحدهما أنا لا نسلم ان الجزم في الفعل بنفس الإسم المنصوب وإنما هو بتقدير حرف الشرط الذي هو ان والنصب في الإسم بالفعل المذكور فإذا العامل في كل واحد منهما غير الآخر الثاني أنا نسلم ان كل واحد منهما عامل في الآخر إلا إنه باعتبارين فالجزم باعتبار نيابته عن حرف الشرط لا من حيث هو إسم والنصب في الإسم بالفعل نفسه فهما شيئان مختلفان وليس كذلك ما نحن فيه لإنه باعتبار واحد يكون عاملا ومعمولا وهو كونه مبتدأ وخبرا (( وذهب البصريون ) )إلى ان المبتدأ يرتفع بالابتداء وهو معنى ثم اختلفوا فيه فذهب بعضهم إلى ان ذلك المعنى هو التعري من العوامل اللفظية وقال الآخرون هو التعري وإسناد الخبر إليه وهو الظاهر من كلام صاحب هذا الكتاب والقول على ذلك ان التعري لا يصح ان يكون سببا ولا جزاءا من السبب وذلك ان العوامل توجب عملا والعدم لا يوجب عملا إذ لابد للموجب والموجب من اختصاص يوجب ذلك ونسبة العدم إلى الأشياء كلها نسبة واحدة (( فان قيل ) )العوامل في هذه الصنعة ليست مؤثرة تأثيرا حسيا كالإحراق للنار والبرد والبل للماء وإنما هي أمارات ودلالات والأمارة قد تكون بعدم الشيء كما تكون بوجوده إلا ترى إنه لو كان معك ثوبان وأردت ان تميز أحدهما من الآخر وصبغت أحدهما وتركت صبغ الآخر لكان ترك صبغ أحدهما في التمييز بمنزلة صبغ الآخر فكذلك ههنا (( قيل ) )هذا فاسد لإنه ليس الغرض من قولهم ان التعري عامل إنه معرف للعامل إذ