فهرس الكتاب
قلت قائم أو حكيم فقد أعلمته بمثل ما علمت مما لم يكن بعلمه حتى يشاركك في العلم فلو عكست وقلت قائم زيد فقائم منكور لا يعرفه المخاطب لم تجعله خبرا مقدما يستفيده المخاطب ولا يصح ان يكون زيد الخبر لأن الأسماء لا تستفاد ولا يساوي المتكلم المخاطب لأن النكرة ما لا يعرفه المخاطب وان كان المتكلم يعرفه إلا ترى انك تقول عندي رجل فيكون منكورا وان كان المتكلم يعرفه فالمعرفة والنكرة بالنسبة إلى المخاطب فلذلك قال (( المبتدأ على نوعين معرفة وهو القياس ) )وقد ابتدأوا بالنكرة في مواضع مخصوصة لحصول الفائدة وتلك المواضع النكرة الموصوفة والنكرة إذا اعتمدت على استفهام أو نفي وإذا كان الخبر عن النكرة ظرفا أو جارا ومجرورا وتقدم عليها نحو تحت رأسي سرج ولى مال وإذا كان في تأويل النفي نحو قولهم شر أهر ذا ناب فاما النكرة الموصوفة فنحو قولك رجل من بني تميم جاءني ومثله قوله تعالى (ولعبد مؤمن خير من مشرك) لما وصف الرجل بإنه من بني تميم والعبد بإنه مؤمن يخصص من رجل آخر ليس له تلك الصفة فقرب بهذا التخصيص من المعرفة فحصل بالإخبار عنه فائدة وإنما يراعى في هذا الباب الفائدة وكذلك إذا اعتمدت النكرة على استفهام أو نفي لأن الكلام صار غير موجب فتضمنت النكرة معنى العموم فأفادت فجاز الابتداء بها لذلك وذلك نحو قولك (( أرجل عندك أم امرأة وما أحد خير منك ) )وقالوا في المثل (( شر أهر ذا ناب ) )فالابتداء بالنكرة فيه حسن لأن معناه ما أهر ذا ناب إلا شر فالابتداء ههنا محمول على معنى الفاعل وجرى مثلا فاحتمل والأمثال تحتمل ولا تغير ومعنى شر أهر ذا ناب أنهم سمعوا هرير كلب في وقت لا يهر مثله فيه إلا لسوء ظن ولم يكن غرضهم الأخبار عن شر وإنما يريدون الكلب أهره شر وإنما كان محمولا على معنى النفي لأن الإخبار به أقوى لإنه أوكد إلا ترى ان قولك ما قام إلا زيد أوكد من قولك قام زيد وإنما احتيج إلى التوكيد في هذه المواضع من حيث كان أمرا مهما لما ذكرناه ومما جاء من ذلك قولهم في المثل شيء ما جاء بك يقوله الرجل لرجل جاءه ومجيئه غير معهود في ذلك الوقت أي ما جاء بك إلا شيء أي حادث لا يعهد مثله واما قولهم (( تحت رأسي سرج وعلى أبيه درع ولك مال ) )فالذي سوغ ذلك كونك صدرت في الخبر معرفة هي المحدث عنها في المعنى إلا ترى السرج من قولك تحت رأسي سرج وان كان المحدث عنه في اللفظ فالرأس مضاف إلى ضمير المتكلم وهو الياء من رأسي وهذا الضمير هو المحدث عنه في المعنى كأنك قلت أنا متوسد سرجا وكذلك على أبيه درع كأنك قلت أبوه متدرع وكذلك لك مال المعنى أنت ذو مال فلما كان المعنى مفيدا جاز وان كان اللفظ على خلافه والذي يؤيد عندك ما قلناه انك لو قلت تحت رأس سرج وعلى رجل درع ولرجل مال لم يكن كلاما وإنما اشترط ههنا ان يكون الخبر مقدما لوجهين. أحدهما ان الظرف والجار والمجرور قد يكونان وصفين للنكرة إذا وقعا بعدها لإنه في الحقيقة جملة من حيث كان متعلقا باستقر وهو فعل ويدل إنه جملة إنه يقع صلة والصلات لا تكون إلا جملا وإذا كان كذلك فلو قلت سرج تحت رأسي أو درع على أبيه أو قال درهم لي لتوهم المخاطب إنه صفة وينتظر الخبر فيقع عنده لبس والوجه الثاني أنهم استقبحوا الابتداء بالنكرة في الواجب فلما سمج ذلك عندهم في اللفظ أخروا المبتدأ وقدموا الخبر وإنما كان تأخيره أحسن من تقديمه لإنه وقع