1 -الحمدُ للهِ العليِّ الأرْفَقِ ... وجامِعِ الأشياءِ والمفَرِّق
1 -أَمَّا الحمدُ فهوَ: الثَّناءُ على اللهِ بصفاتِ كمالِهِ، وسبوغِ نعمِهِ، وسعةِ جُودِهِ وبديعِ حكمتِهِ، لأَنَّهُ تعالى كاملُ الأسماءِ والصِّفاتِ والأَفعالِ، ليْسَ في أسمائِهِ اسمٌ مذمومٌ، بلْ كلُّهَا أَسماءٌ حُسنَى، ولاَ في صفاتِهِ صفةُ نقصٍ وعيْبٍ، بلْ هيَ صفاتٌ كاملةٌ منْ جميعِ الوجوهِ، وهوَ تعالى جميلُ الأَفعالِ؛ لأَنَّ أفعالَهُ دائرةٌ بيْنَ العدلِ والإحسانِ، وهوَ محمودٌ على هذَا وعلى هذَا أَتمَّ حمدٍ وأَكملَهُ.
و"اللهُ"هوَ المأْلوهُ المعبودُ، الّذِي يستحقُّ أَنْ يُؤلَّهَ ويُعْبَدَ بجميعِ أنواعِ العبادةِ، ولا يُشرَكُ بهِ شيءٌ لكمالِ حمْدِهِ.
"العليُّ"الّذِي لهُ العلوُّ التَّامُّ المطلقُ منْ جميعِ الوجوهِ، علوُّ الذَّاتِ، وعلوُّ القَدْرِ، وعلوُّ القَهْرِ.
"الأَرفقُ"أي الرَّفيقُ في أَفْعالِهِ، فأَفعالُهُ كلُّهَا رفقٌ على غايةِ المصالحِ والحكمةِ، وقدْ أظهرَ سبحانَهُ لعبادِهِ منْ آثارِ رفْقِهِ مَا يستدلُّونَ بهِ على كمالِهِ وكمالِ حكمتِهِ، ورفقِهِ، كمَا في خلقِ السَّمواتِ والأَرضِ ومَا بينهُمَا في ستَّةِ أَيَّامٍ، معَ أنَّهُ قادرٌ على أنْ يخلقَهَا في لحظةٍ، وكذلكَ خَلقُهُ الإنسانَ، والحيواناتِ والنَّباتَ، على اختلافِ أنواعِهِ، يخلقُهَا شيئًا فشيئًا، حتَّى تنتهِيَ وتكملَ، معَ قدرتِهِ على تكميلِهَا في لحظةٍ، ولكنَّهُ رفيقٌ حكيمٌ، فمِنْ حكمتِهِ ورفقِهِ تطويرُهَا في هذِهِ الأطوارِ، فلاَ تَنافي بينَ قدرتِهِ وحكمتِهِ، كمَا أَنَّهُ يقدرُ على هداية الضَّالِّينَ، ولكنَّ حكمتَهُ اقْتضتْ إبقاءَهُمْ على ضلالهمْ عدْلًا منْهُ تعالى، ليْسَ ظلْمًا، لأَنَّ إعطاءَ الإيمانِ والهدَى محْضُ فضلِهِ، فإذَا منعهُ أحدًا لمْ يُعَدَّ ظالِمًا، لا سيّمَا إذَا كانَ المحلُّ غيرَ قابلٍ للنِّعمِ، فكلُّ صفةٍ منْ صفاتِهِ تعالى لهَا أثرٌ في الخلْقِ والأمرِ، ولا يُنافى بعضُهَا بعضًا، ومَنْ فَهِمَ هذَا الأصلَ العظيمَ انْحَلَّتْ عنهُ إشكالاتٌ كثيرةٌ في معرفةِ أسماءِ اللهِ وصفاتِهِ، ونَزَّلَ كلَّ اسمٍ منْ اسماءِ اللهِ في محلِّهِ اللاَّئقِ بهِ، وَقَوْلي:
"وَجَامِعِ الأَشْيَاءِ والمُفَرِّقِ"يَعْني: اَنَّهُ جَمَعَ الأشياءَ في شيءٍ، وفرّقَهَا في شيْءٍ آخرَ، كمَا جَمَعَ بينَ خَلْقهِ في كونِهِ خَلَقَهُمْ، وَرَزَقهمْ، وفرّقَ بينهمْ في الأَشْكالِ والصُّورِ، والطُّولِ والقِصَرِ، والسَّوادِ والبياضِ، والحُسنِ والقُبحِ، وغيرِ ذلكَ مِنَ الصِّفاتِ.
كلُّ هذَا صادرٌ عنْ كمالِ قدرتِهِ وحكمتِهِ، ووضعِهِ الأَشياءَ مواضعَهَا اللَّائقَةِ بهَا، واللهُ أَعلمُ.