أنها ستون حجة، وذكر محمد?بن إسحاق? [1]
(1) محمد?بن إسحاق?بن يسار?بن خيار، وقيل: ابن كوثان (كوثان بضم الكاف، والثاء المثلثة، وقد تحرف في تاريخ بغداد 1/ 214، و 4/ 276 إلى بالتاء، وفي إلى ) العلامة الحافظ الإخباري أبو بكر، وقيل: أبو عبد الله، القرشي، المطلبي، مولاهم المدني، كاتب السيرة النبوية، وكان جدّه يسار من سبي عين التمر القريبة من الأنبار، غربي الكوفة، في دولة أمير المؤمنين أبي بكر الصديق خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم على يد سيف الله خالد?بن الوليد رضي الله عنه في سنة (12) للهجرة، وكان فتحها عنوة، فسبى نساءها، وقتل رجالها. وهو أول سَبْي دخل المدينة المنورة من العراق. وكان ابن إسحاق مولى قيس?بن مخرمة?بن المطلب?بن عبد مناف ـ رضي الله عنه.
وُلد ابن إسحاق سنة 80 هـ/ 699 م، ورأى أنس?بن مالك بالمدينة المنورة، وسعيد?بن المسيب. وحدّث عن: أبيه وعمه موسى?بن يسار، وعن أبان?بن عثمان ـ فيما قيل ـ، وخلق كثير، إلى أن ينزل إلى صالح?بن كيسان، ومحمد?بن السائب الكلبي، وشعبة وطائفة غيرهم.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن ابن إسحاق، فقال: هو حسن الحديث، ثم قال: وقال مالك، وذكره؛ فقال: دجّال من الدجاجلة. وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غيرُ واحد من العلماء لأشياء، منها: تشيعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه، فأما الصدق، فليس بمدفوع عنه. وقال أبو إسحاق الجوزجاني: ابن إسحاق: الناس يشتهون حديثه، وكان يرمى بغير نوع من البدع. وقال عبد العزيز الدراوردي: كنا في مجلس ابن إسحاق نتعلم، فأغفى إغفاءة، فقال: إني رأيت في المنام الساعة: كأن إنسانًا دخل المسجد ومعه حبل، فوضعه في عنق حمار فأخرجه. فما لبثنا أن دخل المسجد رجلٌ معه حبل حتى وضعه في عنق ابن إسحاق فأخرجه، قال: فذهب به إلى السلطان فجُلِدَ (الخبر في تاريخ بغداد: 1/ 225، وفيه رواية أخرى له) . قال الزبيري: (جُلِد) من أجل القدر. وقال أبو العباس?بن عقدة: حدثنا موسى?بن هارون?بن إسحاق، سمعت محمد?بن عبد الله?بن نمير يقول: كان ابن إسحاق يُرمى بالقدر.
وقال يعقوب?بن شيبة: سمعت ابن نمير ـ وذكر ابن إسحاق ـ فقال: إذا حدّث عمن سمِع منه من المعروفين، فهو حسن الحديث صدوق، وإنما أتي من أنه يحدث عن المجهولين أحاديث باطلة. قال إسحاق?بن أحمد?بن خلف، البخاري الحافظ: سمعت محمد?بن إسماعيل يقول: محمد?بن إسحاق ينبغي أن يكون له ألف حديث ينفرد بها لا يشاركه فيها أحد. وقال سليمان?بن إسحاق الجلاب: سألت إبراهيم الحربي: تكلم أحد في ابن إسحاق؟ فقال: أما سفيان?بن عيينة فكان يقول ـ يعني عن الزهري ـ: لا يزال بالمدينة علم ما عاش هذا الغلام ـ يعني ابن إسحاق ـ ولكن حدثني مصعب قال: كانوا يطعنون عليه بشيء من غير جنس الحديث.
وقال الإمام أحمد?بن حنبل: كان ابن إسحاق يدلس إلا أن كتاب إبراهيم?بن سعد إذا كان سماع قال: حدثني. وإذا لم يكن، قال: قال. وقال أحمد: قدم ابن إسحاق بغداد، فكان لا يبالي عمن يحكي، عن الكلبي وعن غيره. وقال: ليس هو بحجة. وقال أيوب?بن إسحاق?بن سافري (مترجم في: 2/ 241، و: 2/ 92 ـ 93) : سألت أحمد?بن حنبل فقلت: إذا انفرد ابن إسحاق بحديث تقبله؟ قال: لا والله، إني رأيته يحدث عن جماعة بالحديث الواحد، ولا يفصل كلام ذا من كلام ذا. وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي. وقال يحيى?بن آدم: حدثنا ابن إدريس قال: كنت عند مالك، فقال له رجل: إن محمد?بن إسحاق يقول: اعرضوا علي علم مالك فإني بيطاره. فقال مالك: انظروا إلى دجال من الدجاجلة يقول: اعرضوا علي علم مالك. نحن نفيناه من المدينة.
قال ابن إدريس: فما رأيت أحدًا جمع الدجالين قبله. قال سفيان ابن عيينة: اتهموه بالقدر. قال عمرو?بن علي الفلاس: سمعت يحيى يقول: قال رجل لابن إسحاق: كيف حديث شرحبيل?بن سعد؟ فقال: وأحد يحدث عن شرحبيل؟ ثم قال الفلاس: العجب من رجل يحدث عن أهل الكتاب، ويرغب عن شرحبيل، وقد حدث عنه يحيى?بن سعيد، وعاصم الأحول، ومطر وأبو معشر المديني! وقال الفلاس: سمعت يحيى?بن سعيد يقول لعبيد الله: إلى أين تذهب؟ قال: اذهب إلى وهب?بن جرير، أكتب السيرة. قال: يكتب كذبًا كثيرًا.
قال الذهبي: كان وهب يرويها عن أبيه، عن ابن إسحاق. وقال يحيى?بن معين: لم يسمع ابن إسحاق من طلحة?بن نافع شيئًا. وقال ابن المديني: سمعت يحيى يقول: قال إنسان للأعمش: إن ابن إسحاق حدثنا عن ابن الأسود، عن أبيه بكذا وكذا. فقال: كذب ابن إسحاق، وكذب ابن الأسود، حدثني عمارة بكذا وكذا. وقال العقيلي: حدثني الخضر?بن داود، حدثنا أحمد?بن محمد، قلت لأبي عبد الله: ما تقول في ابن إسحاق؟ قال: هو كثير التدليس جدًا. فقيل لأبي عبد الله: روى عنه يحيى?بن سعيد؟ فقال: لا ـ كالمُنكِر لذلك ـ ثم قال: كان يحيى?بن سعيد لا يستخف من هو أكبر من محمد?بن إسحاق. قال?بندار: سمعت ابن أبي عدي يقول: كان ابن إسحاق يلعب بالديوك. وقال أبو الحسن الدارقطني: ابن إسحاق لا يحتج به.
وروى له مسلم في المتابعات (أي: لم يخرج له حديثًا ينفرد به، بل قرنه بغيره، ولذا لا يقول العلماء في سندٍ فيه محمد?بن إسحاق: رجاله رجال الصحيح. ومعنى المتابعة: أن يروي الثقة حديثًا ما، بإسناد إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإن انفرد هذا الثقة بالحديث، ولم يشاركه فيه أحد أصلًا، فهذا حديث فرد، وإن شارك هذا الثقة راوٍ آخر في روايته، فرواه بهذا الإسناد عن شيخ الثقة الأول، أو عن شيخ شيخه، فهذه الرواية التي شارك بها الثقة الآخر تسمى . والمتابعة مفيدة فيما إذا كان في السند راوٍ ضعيف، فإنه يتقوى بالمتابع، لكن ذلك مقيد بما إذا كان الضعف خفيفًا كسوء الحفظ أو التدليس أو الإرسال) .
وقال ابن سعد: كان ثقة، ومنهم مَن يتكلم فيه، وكان خرج من المدينة قديمًا، فأتى الجزيرة والكوفة والري وبغداد، فأقام بها حتى مات في سنة (151 هـ/ 768 م) . صدق القاضي أبو يوسف إذ يقول: مَن تتبع غريب الحديث كذب، وهذا من أكبر ذنوب ابن إسحاق، فإنه يكتب عن كل أحد، ولا يتورع سامحه الله. وقيل: مات ابن إسحاق سنة خمسين ومئة. وقيل: مات سنة إحدى وخمسين ومئة. وقيل: سنة اثنتين وخمسين ومئة. وقيل: توفي سنة اثنتين أو ثلاث.
انظر: طبقات ابن سعد: 7/ 321 ـ 322، طبقات خليفة: 271، 327، تاريخ خليفة: 16، 426، التاريخ الكبير: 1/ 40، التاريخ الصغير: 2/ 111، المعارف: 491 ـ 492، المعرفة والتاريخ: 2/ 27 ـ 28، الجرح والتعديل: 7/ 191 ـ 194، مشاهير علماء الأمصار: 139 ـ 140 وفيه وفاته (150 هـ) ، الفهرست: المقالة الثالثة الفن الأول، تاريخ بغداد: 1/ 214 ـ 234، وفيات الأعيان: 4/ 276 ـ 277، مقدمة عيون الأثر: 1/ 7 ـ 17، تاريخ الإِسْلام: 6/ 275 ـ 278، تذكرة الحفاظ: 1/ 172 ـ 174، سير أعلام النبلاء: 7/ 33. الترجمة: 15. ميزان الاعتدال: 3/ 468 ـ 475، عبر الذهبي: 1/ 216، الوافي بالوفيات: 2/ 188 ـ 189، تهذيب التهذيب: 9/ 38 ـ 46، طبقات الحفاظ: 75 ـ 76، خلاصة تذهيب الكمال: 326 ـ 327، شذرات الذهب: 1/ 230.