الصفحة 199 من 5754

وبعد، فإن المعارف جمَّة، وهي كلها مهمَّة، وأهمها ما به الحياة الأَبَدِيَّة، والسعادة السرمدية، وذلك علم كتاب الله هو المقصود بالذات، وغيره من العلوم له كالأدوات، هو العروة الوثقى، والوزر الأقوى الأوقى، والحبل المتين، والصراط المبين، وما زال يختلج في ذكري، ويعتلج في فكري، أني إذا بلغت الأمد الذي يتغضن فيه الأديم، ويتنغص برؤيتي النديم، وهو العقد الذي يحل عرى الشباب، المقول فيه: إذا بلغ الرجل الستين، فإياه وإيا الشواب، ألوذ بجناب الرحمن، وأقتصر على النظر في تفسير القرآن، فأتاح الله لي ذلك قبل بلوغ ذلك العقد، وبلغني ما كنت أروم من ذلك القصد، وذلك بانتصابي مدرسًا في علم التفسير في قبة السلطان الملك المنصور، قدس الله مرقده، وبلّ بمزن الرحمة معهده، وذلك في دولة ولده السلطان القاهر، الملك الناصر، الذي رد الله به الحقّ إلى أهله، وأسبغ على العالم وارف ظله، واستنقذ به الملك من غُصابه، وأقرّه في منيف محله وشريف نصابه، وكان ذلك في أواخر سنة عشر وسبعمائة، وهي أوائل سنة سبع وخمسين من عمري، فعكفت على تصنيف هذا الكتاب، وانتخاب الصفو واللباب .... وستقف على هذا المنهج الذي سلكته، إن شاء الله تعالى، وربما ألممت بشيء من كلام الصوفية مما فيه بعض مناسبة لمدلول اللفظ، وتجنبت كثيرا من أقاويلهم ومعانيهم التي يحمّلونها الألفاظ، وتركت أقوال الملحدين الباطنية المُخْرِجِيْن الألفاظ القريبة عن مدلولاتها في اللغة إلى هذيان افتروه على الله تعالى، وعلى عليّ كرم الله وجهه، وعلى ذريته، ويسمونه علم التأويل. وقد وقفت على تفسير لبعض رؤوسهم، وهو تفسير عجيب يذكر فيه أقاويل السلف مزدريًا عليهم، وذاكرًا أنه ما جهل مقالاتهم، ثم يفسر هو الآية على شيء لا يكاد يخطر في ذهن عاقل، ويزعم أن ذلك هو المراد من هذه الآية وهذه الطائفة لا يُلتفت إليها، وقد ردّ أئمة المسلمين عليهم أقاويلهم وذلك مقرّر في علم أصول الدين ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت