فهرس الكتاب
المؤلف: يحيى أفندي بن زكريا بن بيرام، الرومي، شيخ الإِسْلام، ت (1053 هـ/ 1644 م) [1] .
يحيى: شيخ الإِسْلام، ومفتي الديار العثمانية في عصره. تركي الأصل، مستعرب. سلطان علماء المغرب والمَشرق، ومطلع كوكب أفق السعادة المُشرق شيخ الكل في الكل من الدقّ والجلّ، واحد الزمان، وثاني النعمان من بمكارم الأخلاق في الآفاق موصوف، وفي تعداد أفراد النوع الإنساني واحد يعدل ألوف، كبير المملكة السلطانية دون منازع، بركة الدولة العثمانية من غير مدافع، عمدة الملوك، مرشد أهل الطريق والسلوك، بحر المعارف بدر اللطائف صاحب الكلم النوابغ، من ثوب إنعامه على الأنام سابغ، الذي ألقيت إليه أزمة السلم، واحتوى على جوامع العلم، وبدائع الحكم محطّ رحال الآمال، وكعبة أرباب الكمال، مَن لم تسمح بمثله الأدوار، ولم يأت بندِّه الفلك الدوار. وُلد ونشأ بإستانبول. وولي قضاء الشام، وقضاء حلب وكانت أول مناصبه وكذلك وقع لوالده، فدخلها في سنة أربع بعد الألف خلفًا عن المولى الكمال ابن طاشكبري، ثم بعد مدة قليلة وقع بينهما مبادلة، فنقل صاحب الترجمة إلى قضاء دمشق، والكمال إلى قضاء حلب، وقيل في تاريخ توليته لها:
لما أحيا شرع الهادي ... قاضٍ عنه شاع العدلُ
يحيى المولى السامي قالوا: ... حقًا أرِّخْ: قاضٍ عدلُ
وكانت سيرته في هذين القضاءين من أحسن سيرة لقاضٍ، ثم عزل، وتوجه من دمشق إلى معرة النعمان قاصدًا دار الخلافة، ولما وصل حلب وصله أمرُ نقله إلى قضاء مصر. ثم ولي قضاء بروسة، ثم قضاء أدرنة، فقضاء إستانبول، ووقع في أيام قضائه أن درويش پاشا الوزير الأعظم أمر بقتل رجل في الديوان، فقال له صاحب الترجمة: ما الذي أوجب قتله؟ فقال له: أنت ما لك علاقة بهذا. فقام من الديوان وترك منصب قضاء العسكر، فلما سمع السلطان أحمد بذلك بعث إليه يستخبر منه عن قضية تركه، فأجابه بقوله: إن القضاء أمانة؛ والسلطان إنما يولي قضاء العسكر لسماع الدعاوى وإنصاف الظالم من المظلوم، والآن قد قتل رجل من غير أن يوجب الشرع قتله، فلم يوجد إنصاف بما ولينا لأجله القضاء، فتركنا المنصب لذلك. ففي ذلك اليوم قتل السلطان أحمد درويش پاشا المذكور، وحصل لصاحب الترجمة غاية الإقبال من السلطان. ثم ولي الإفتاء السلطاني في يوم جلوس السلطان مصطفى، وهو اليوم السادس من رجب سنة 1031 هـ، وقال العلامة عبد الرحمن العمادي مؤرخًا توليته بقوله:
لقد صار مفتي الروم يحيى الذي سما ... سناء سماء المجد والعلم والتقوى
فنادى بشير السعد فيها مؤرخًا: ... لمولاي يحيى منصب العلم والفتوى
وكان أول سؤال كتب إليه: أول واجب على المكلف ما هو؟ فأجاب: هو معرفة الله تعالى، فاعلم أنه لا إله إلا الله. وبنى في توليته هذه مدرسته المعروفة قريبًا من داره بمحلة جامع أمير المؤمنين السلطان سليم الأول في إستانبول، وأرخ عام تمامها الأديب محمد الحتاتي المصري بقوله:
مفتي البرايا بنى لله مدرسة ... لها من الأنس أنوار تغشيها
على الهدى أسست واليُمن؛ أرّخها: ... دار العلوم فيحيى العدل منشيها
وما زال يتنقل إلى أن توفي في الروم إيلي. وكان له في عصره الشأن الرفيع، ولم يتفق لأحد من المفتين ما اتفق له من طول المدة والإقبال والحرمة والجلالة، ولم يُمدح أحد بما مُدح به من مشاهير الشعراء ومدائحهم. وجُمعت فتاويه في كتاب سمي ، وشرح الفرائض لمحسن القيصري، وله نظم عربي، منه تخميس قصيدة البُردة للبوصيري.
انظر: خلاصة الأثر: 4/ 467، وهدية العارفين: 2/ 532. وتكملة شذرات الذهب: 693؛ والأعلام للزركلي: 8/ 145؛ ومعجم المؤلفين الطبعة القديمة: 13/ 197، وطبعة المجلدات الأربعة: 4/ 95؛ و: GAL, SII, 953.