الصفحة 2128 من 5754

أما بعد: رضي الله عنكم، فقد جعل الله هذه الطائفةَ صَفوةَ أوليائه، وفضَّلَهم على الكافَّة مِن عباده، بعد رُسِلِهِ وأنبيائه، صلوات الله وسلامه عليهم، وجعلَ قلوبَهم معادن أسراره، واختصَّهم من بين الأمة بطوالع أنواره. فهم الغِياثُ للخلق، والدائرون في عُموم أحوالهم مع الحقِّ بالحقِّ. صَفَّاهم من كُدُوراتِ البشرية، ورقَّاهم إلى محالِّ المُشاهدات بما تجلَّى لهُم من حقائق الأحدية. ووفَّقهم للقيام بآدابِ العُبودية، وأشهدهم مجارى أحكام الربوبية؛ فقاموا بأداء ما عليهم من واجبات تكليف، وتحقّقوا بما مِنه سُبحانه لهم من التقليب والتصريف. ثم رجعوا إلى الله، سُبحانه وتعالى، بصِدْقِ الافتقارِ، ونَعْتِ الاِنكِسارِ، ولم يَتَّكِلُوا على ما حصَلَ منهم مِنَ الأعمال، أو صَفَا لَهُم مِن الأحوال. عِلمًا مِنهم بأنَّه جَلَّ وعلا يفعلُ ما يُريد، ويختار مَن يشاء مِن العبيد.

آخره: ... فصل ومن شأن المُريد؛ التباعُد عن أبناءِ الدُّنيا؛ فإنَّ صُحبتَهم سُمٌّ مُجرَّبٌ لأنَّهم ينتفعون به وهو ينتقصُ بهم، قال الله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [1] . وإنّ الزّهاد يخرجون المال عن الكيس تقرُّبًا إلى الله تعالى، وأهل الصفاء يخرجون الخُلق والمعارف تحقُّقًا بالله تعالى. فهذه وصيَّتُنا إلى المُريدين، نسألُ الله الكريم لهم التوفيق، وأن لا يجعلها وَبَالًا علينا.

(1) قال الله تعالى: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا سورة الكهف، الآية: 28.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت