الصفحة 3091 من 5754

وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وأسبغ على عباده نِعمًا باطنةً وظاهرةً، ووالى عليهم من مزيد آلائه مِننًا مُتظافرة مُتواترة، وبثَّهم في أرضه حِينًا يتقلَّبون، واستخلفهم في ماله فهم به يتنعمون، وهدى قومًا إلى اقتناص شوارد المعارف والعلوم، وشوّقهم للتفنُّن في مسارح التدبُّر والركض بميادين الفهوم، وأرشد قومًا إلى الانقطاع من دون الخلق إليه، ووفّقهم للاعتماد في كل أمر عليه، وصرف آخرين عن كلِّ مكرُمةٍ وفضيلة، وقيَّض لهم قرناء قادوهم إلى كلِّ ذميمةٍ من الأخلاق ورذيلةٍ، وطبع على قلوب آخرين فلا يكادون يفقهون قولًا، وثَبطهم عن سُبُلِ الخيرات، فما استطاعوا قوَّة ولا حولًا، ثمَّ حَكَمَ على الكل بالفناءِ ونَقَلَهم جميعًا من دارِ التَّمحيصِ والابتلاءِ إلى برزَخِ البيودِ والبلاءِ، وسيحشُرُهُم أجمعين إلى دار الجزاء ... وبعد، فإنّ علم التاريخ من أجلِّ العلوم قدرًا، وأشرفها ـ عند العقلاء ـ مكانةً وخَطرًا، لِما يحويه من المواعظِ والإنذارِ بالرحيلِ إلى الآخرةِ عن هذه الدار، والاطلاع على مكارم الأخلاق ليُقتَدَى بِها، واستعلام مَذامّ الفِعال لِيرْغَبَ عنها أُولُو النُّهي ... وجَمعتُ من ذلك فوائد قَلَّ ما يَجمَعُها كِتابٌ ... فأردتُ أنْ أُلخِّصَ منها أنباءَ ما بديار مصر من الآثار الباقية، عن الأمم الماضية والقرون الخالية، وما بقي من فسطاط مصر من معاهد غَيَّرَها ادِّكارُ البلاء والقِدم ... فلهذا سَمَّيْتُه (كتاب المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار) ...

آخره: ... وأما الوجه البحريّ:

ففي منية صرد من ضواحي القاهرة كنيسة السيدة مريم، وهي جليلة عندهم ... وبالإسكندرية المعلقة على اسم السيدة وكنيسة بوجرج، وكنيسة يوحنا المعمداني، وكنيسة الرسل، فهذه كنائس اليعاقبة بأرض مصر، ولهم بغزة كنيسة مريم، ولهم بالقدس القمامة وكنيسة صهيون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت