قد وقع الفراغ من تنميقه بعون الله وحسن توفيقه على يد العبد الضعيف النحيف، طويل الأمل قليل العمل، كثير العصيان قليل الإحسان، أحقر الخلائق وأفقر الفقراء، مُقرًا بذنوبه، وراجيًا إلى رحمته: عماد بن قلاوون [1] ،
(1) آل قلاوون هم أسرة من سلاطين المماليك، أشهرهم: المنصور سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، أحد أشهر سلاطين المماليك البحرية، ورأس أسرة حكمت مصر والمشرق العربي مايزيد على قرن من الزمان، وكان من رجال الملك الصالح نجم الدين أيوب، وأبلى بلاءً حسنًا في معركة المنصورة ضد الصليبيين، وعلا شأنه بعد ذلك، فكان من كبار الأمراء أصحاب النفوذ في دولة الظاهر بيبرس، وبويع له بالسلطنة في الحادي عشر من رجب سنة 678 هـ/ 1279 م؛ خلفًا للملك الصغير العادل بدر الدين سُلامش. وتتحدث أغلب مصادر هذا العصر عن لقب الألفي، وهو لقب أطلق على السلطان المنصور قلاوون، وذلك نسبةً إلى قيمته، فقد اشتراه أستاذه الأمين علاء الدين بألف دينار، وقد ارتفعت قيمته لحسن سيرته.
وقد بدأ السلطان قلاوون ولايته بمحاربة الخارجين عليه كالأمير سنقر الأشقر، حيث بعث إليه وهو بالشام جيشًا بقيادة الأمير سنجر، وظلا في سجال من القتال حتى توالت الأنباء بقرب عودة التتار، فكتب السلطان المنصور إلى سنقر ، فكتب إليه سنقر بالسمع والطاعة، وفي السابع والعشرين من جمادى الآخرة 680 هـ/ 1281 م، وصل الخبر بقدوم منكوتمر بن هولاكو الشيعي الباطني المغولي بجيشه إلى عينتاب التركية، فخرج إليه السلطان قلاوون وعسكر في حمص، واستقدم سنقر الأشقر وقواته، ودخل التتار حماة فخربوا فيها، ثم وصلوا إلى حمص حيث التقى الجمعان.
واضطربت ميمنة المسلمين في البداية، ثم الميسرة، وثبت السلطان قلاوون ومن معه ثباتًا عظيمًا، ماحمل الأمراء والقادة على الانقضاض على المغول الباطنيين المتشيعين، وكسروهم كسرة عظيمة، وجرحوا ملكهم، وقتلوا منهم الكثير، وكانت مقتلة تفوق الوصف، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين السُّنّة انتصارًا مظفرًا، ودخل السلطان المنصور دمشق في أبهة النصر في 22 من شعبان، وبين يديه الأسرى حاملين رؤوس قتلاهم على الرماح.
وعزم السلطان المنصور على استكمال رحلة الجهاد ضد الصليبيين التي بدأها أسلافه، ففي سنة 684 هـ/ 1285 م، حرّر حصن المرقب وبانياس في الساحل السوري من الصليبيين وعملائهم، وفي سنة 688 هـ/ 1289 م حرر طرابلس (لبنان) بعد حصارها واستعمال المنجنيق، وغنم جيشه غنائم عظيمة. وعزم السلطان على المسير إلى عكا إلا أن الأجل لم يمهله، فكان شرف فتحها لولده الذي خلفه السلطان البطل الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون.
وتوفي السلطان قلاوون بقلعة الجبل بالقاهرة في السابع والعشرين من ذي القعدة سنة 689 هـ/ 1290 م، وفيها غُسّل وكفن، ثم حُمل إلى تربته الملحقة بمدرسته العظيمة بين القصرين (شارع المعز) فدُفن فيها، ولا تزال المدرسة شامخة شاهدة على عظمة هذا السلطان وازدهار عهده. وقد خلف السلطان المنصور ولده السلطان الأشرف صلاح الدين خليل بن قلاوون الذي استكمل رحلة الجهاد وفتح فتوحًا عظيمة، ومن بعده أخوه الناصر محمد بن قلاوون، وظل الحكم في ولد قلاوون نحو قرن من الزمان.
انظر: الأيوبيون والمماليك في مصر والشام، لسعيد عبد الفتاح عاشور، يرحمه الله. طبع في القاهرة سنة 1390 هـ/ 1970 م. ومصر في العصور الوسطى، لعلي إبراهيم حسن، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الرابعة، القاهرة سنة 1374 هـ/ 1954 م.