فهرس الكتاب
وبعد فقد بعثني فرط الشغف بتتبُّع الخواصّ لتراكيب البُلغاء، وإيراد المعاني بالأساليب المختلفة الأنحاء، وصدقُ الهمّة في استكشاف القِناع عن وجْه الإعجاز، واستطلاع ما في نظْم القرآن من لطائف الحقيقة والمجاز؛ على أن نهضت طول الشباب إلى اقتناء العلوم العربية، ونفضتُ أحلاسَ الأسباب إلى الارتقاء في الفنون الأدبية ... ولبثت فيه من عمري سنين، وقضيت في حديثه السِّتِيْن، وقد سَبَقَ مني الوعد بالتماس بعض أعاظم الفضلاء، وأفاضل العلماء؛ أن أصرف عِنان القلم إلى تعليق حواش على كتاب الكشاف، والتفريق بين دُرره والأصداف، وأجعل الفاضل من أوقاته، والفاصِل بين ساعاته؛ وآونة فتراته، وأزمنة راحاته: لشرح القسم الثالث من مفتاح العلوم؛ للنحرير العلامة: أبي يعقوب؛ سراج المعالي؛ يوسف بن محمد السكاكي تغمده الله بغفرانه، فقد اتفقت على جزالة ألفاظه الرائقة، ودقّة معانيه الشائقة؛ كلمةُ المهرَةِ الْمُتقنين ... وقد وهبت له شطرًا من عمري، وجعلت إجالة الفكر في غوامضه دهري، واعتقد جَمْعٌ من الإخوان، وفوْجٌ من الخلان؛ أني أرتقيت في مراتب حقائقه، ودراجات الإحاطة بدقائقه؛ مُرْتَقىً لم يبلغه أحدٌ مِمَّن يُوْثَقُ به ويُعوَّلُ عليه، فحاولوا مني إنجاز الموعود من (شرح المفتاح) وطريق النجاة والنجاح، حين رأوني أخذت في بذل المجهود إلى حواشي الكشاف، لكن لم أجد نفسي حَرِكَةً نشيطةً، بل حَرِدةً مُستشيطة ... وحان أن يغيب المشيب، المُرّ المُعيب. وصار الأهم أنْ أشرحَ (مفتاح الفلاح) ، وأسرِّحَ النظرَ في طريق النجاة والنجاح؛ مع ما مُنِيتُ به مِن انقِراضِ مَن كنتُ أُراجِعُهُ من الفُضلاء ... وأصروا على الطلب إصرارًا، وصدّقوا الرغبة سِرًا وجهارًا، وتوسلوا بمَن لزِمني مِن طريق الوداد إجابة دعوته ... فأخذت في شرح له يتضمّن تفصيل مُجملاته، وتبيين مُعضلاته ... وحسبنا الله ونعم الوكيل. قوله: القسم الثالث.